فتساءلت غاضبة: أتجدني مزعجة لهذا الحد؟ - من الناس من يعشق عفريتا وهو لا يدري.
فهتفت بحدة: ما أبغض هذا الحديث إلي!
فقال باسما: إنك من آل جبل، وكلهم أبى أن يسلم لدوائي، حتى أبي نفسه!
وعندما دق الباب أدركا أن زبونا جديدا قد قدم فتهيأ رفاعة لاستقباله.
والحق أن رفاعة لم يلق من عمره أسعد من هذه الأيام. كان يدعى في الحي الجديد بالمعلم رفاعة، وكانوا يدعونه بها في إخلاص ومحبة. وعرف بأنه يخلص من العفاريت ويهب الصحة والسعادة لوجه الله وحده. وهذا سلوك نقي لم يعرف عن أحد قبله، فلذلك أحبه الفقراء كما لم يحبوا أحدا قط. وطبيعي أن بطيخة فتوة الحي الجديد لم يحبه، لسلوكه الطيب من ناحية، ولأنه لم يكن من القادرين على أداء أي إتاوة من ناحية أخرى، ولكنه في الوقت نفسه لم يجد مسوغا للاعتداء عليه. أما الذين برئوا على يديه فكان لكل منهم قصة يرددها. فأم داود كانت إذا ركبتها النوبة العصبية عضت وليدها، وهي اليوم مثال للهدوء والاتزان. وسنارة الذي لم يكن له من هواية إلا الشجار والنقار أصبح وديعا حليما كأنه تحية سلام. وطلبة النشال تاب توبة صادقة واشتغل صبي مبيض نحاس. وعويس تزوج بعد الذي كان.
واصطفى رفاعة من مرضاه أربعة وهم زكي وحسين وعلي وكريم، اصطفاهم لصداقته فصاروا إخوة. لم يعرف أحد منهم الصداقة ولا الحب قبل أن يعرفه. كان زكي برمجيا، وكان حسين مدمن أفيون لا يفيق، وعلي يتدرب على الفتونة، وكريم قوادا، فانقلبوا رجالا ذوي قلوب كبيرة. وكانوا يجتمعون عند صخرة هند حيث الخلاء والهواء النقي، فيتبادلون أحاديث المودة والصفاء، ويتطلعون إلى طبيبهم بأعين تفيض بالحب والإخلاص، ويحلمون جميعا بسعادة ستظل الحارة بأجنحتها البيضاء. ويوما تساءل رفاعة وهم بمجلسهم ينظرون إلى حمرة الشفق في هدوء المغيب: لماذا نحن سعداء؟
فأجاب حسين بحماس: أنت .. أنت سر سعادتنا.
فابتسم ابتسامة شكر وقال: بل لأننا تخلصنا من العفاريت فتطهرنا من الحقد والطمع والكراهية وسائر الشرور التي تفتك بأهل حارتنا.
فقال علي مؤمنا على قوله: سعداء بالرغم من أننا فقراء ضعفاء لا حظ لنا في الوقف أو الفتونة.
فهز رفاعة رأسه أسفا وقال: كم يتعذب الناس من أجل الوقف الضائع والقوة العمياء فالعنوا معي الوقف والفتونة!
Halaman tidak diketahui