قال «شاداي» في اضطراب: «لقد أهمل ابن الكلبة تنظيف الحظيرة مرة أخرى؛ لأرينه الجحيم غدا.»
قلت: «لست أدري من ذا وكل إليه هذا العمل، لكني أرى أنك أنت أولى بهذا الجحيم، فأنت الرئيس، والخطأ خطؤك أنت كلما وقع، وفي هذا وحده معنى الرياسة.»
ووافق «شاداي» في خشوع: «لقد أصبت القول، ومع ذلك فليس الأمر سهلا هينا، فكيف يعمل الناس بغير قوت؟ إنهم لا يستطيعون حصر أذهانهم في أعمالهم إذا ما كانوا جياعا.»
ووافق «دمشنكو» على ذلك قائلا: «هذا صحيح، ليس الأمر هينا، عما مساء، وسأراكما في الصباح.»
دخلت الدار حيث زوجة «شاداي» وأطفاله، وعلى الرغم مما بدا عليهم جميعا من هزال وضعف، فقد كان جليا أن ظروف العيش ها هنا لم تبلغ ما بلغته في دور الفلاحين من سوء.
قلت: «أي رفيق «شاداي»، حدثني حديث رجل لرجل، حدثني حديثا بعيدا عن الأوضاع الرسمية، كيف حال الناس؟ ماذا أعددتم من خطة لجمع الحصاد؟ كيف حال الآلات؟ لا تخف عني شيئا، بل كن معي مخلصا صادقا فنحن كلانا معنيان بشيء واحد.» - «لست أدري أين أبدأ الحديث أيها الرفيق «كرافتنشكو» ليس المحصول سيئا، والآلات صالحة على الرغم من فقدان بعض أجزائها، وبغير هذه الأجزاء المفقودة سيقف دولاب العمل.» - «اكتب لي قائمة بما تريد، وسأرسل في طلبه من القسم السياسي في «بتروفو».» - «شكرا فذلك عون عظيم، وشيء آخر في حالة من السوء، وهو موقف الجياد، فليس لدينا علف لها، ويعوزنا ولو قليل من الشوفان. طبعا نستطيع أن نحصد لها بعض شوفان المحصول الجديد، لكن ذلك تحرمه الأوامر تحريما قاطعا.»
قلت: «لا عليك من الأوامر، فسيكون لك ذلك إذا لم تر طريقا آخر، وستكون التبعة كلها علي وحدي، سيكون ذلك في طليعة مهامنا غدا، ماذا نحن صانعون بغير جياد، وهل تكون جياد بغير شوفان؟»
فحذرني «شاداي» قائلا: «لا أظن أن «بلوسوف» و«كوبزار» سيوافقانك على ذلك.» - «دعني وإياهما.» - «وأخيرا، وأهم من ذلك كله أيها الرفيق «كرافتشنكو» حال الناس أنفسهم، إنهم ليموتون كأنما هم الذباب يتساقط، ومن لم يمت فهو من الضعف والهزال بحيث لا يستطيع حراكا، من ذا سيحصد لنا الغلال، لقد توسلت إلى «السوفيت» أن يعيرونا شيئا من حبوب، فأرسلوا إلي مقدارا ضئيلا، ولست أنا بموسى ولا عيسى حتى أطعم ألوف الناس على مثل هذا القدر الضئيل، لقد شهدت أيها الرفيق الموت والدماء حين كنت في الجيش، لكني فيما شهدت لم تقع عيناي على شيء يوازي في بشاعته هذا الذي أراه ها هنا في قريتي.»
ونظر إلي محدجا، ولمع في حزنه بريق من أمل. - «أيها الرفيق، وأنت الممثل الرسمي، لو أردت حصد المحصول فلا بد لك أولا من إنقاذ هؤلاء الناس من براثن الجوع، أضف إلى ذلك أني لم أعد أحتمل النظر إلى هذا البؤس من حولي، كلا، لم أعد أطيق رؤيته لحظة واحدة.» - «لست بمستطيع أن أعدك شيئا أيها الرفيق «شاداي» سوى أن أبذل وسعي، سننهض من فراشنا غدا مبكرين، وسننتقل من دار إلى دار، لا بد أن أشهد الحال بنفسي قبل أن أصمم العمل.»
إن ما رأيته ذلك الصباح، حين أخذت أزور المنازل مع «شاداي» لأبشع من أن تصوره العبارة، فالرجال في ميدان القتال يموتون في لحظة، وهم يردون قتالا بقتال، ولهم في ذلك سند من الزملاء والشعور بالواجب، أما ها هنا فالناس يموتون في عزلة بعضهم عن بعض، وهم يموتون موتا متدرجا بطيئا، الناس ها هنا يموتون على نحو بشع فظيع، دون أن يكون لموتهم مبرر كأن يكون دفاعا عن مبدأ، لقد صيدوا ها هنا في فخ أغلق من دونهم، ثم تركوا هناك ليموتوا جوعا، كل في داره وحيدا، وصائدهم في هذا الفخ إنما هو قرار سياسي اتخذه الرؤساء في عاصمة بعيدة، إذ هم جالسون حول مائدة يتشاورون الرأي أو يأكلون ويشربون، ولو كان زوال هذه المفازع أمرا محالا، لكان في هذه الاستحالة شيء من العزاء، لكن الأمر يخلو حتى من هذا العزاء.
Halaman tidak diketahui