مقالات موقع الدرر السنية
مقالات موقع الدرر السنية
Penerbit
موقع الدرر السنية dorar.net
من ملامح هذا الإرجاء الفكري:
أولًا: عدم التصريح بالأحكام الشرعية: فيتهرب مَنْ أصيب بهذا المرض من قول: (حرام) أو (كفر) أو (شرك) لِمَا هو كذلك بالنص الشرعي، ويستبدل هذه الألفاظ الشرعية بأخرى مبتدَعة هي أخفُّ (حدَّة ووطأة) - بزعمه - على مخالفيه أو الناس عمومًا؛ فيقول: (الأَوْلَى تَرْكه) مع علمه بحرمته، أو (فيه خلاف) مع أن الخلاف مطروح وغير معتَبَر؛ فيوحي إلى سامعه أن الأمر (سهل ميسور).
ثانيًا: عدم استخدام المصطلحات الشرعية: فلا تجد في قاموسه (كفَّار)، أو (فسَّاق)، أو (منافقون)؛ فهؤلاء لا يعيشون على الأرض، وكأنهم - لدى من أصيب بهذا المرض العضال - تاريخ مندثر ولَّى، ولا يظن ظانٌّ بأن المطلوب هو إقحام مثل هذا في الكلام إقحامًا. لا، ليس هذا المراد، بل المقصود: هو التولي عن استخدام هذا المصطلح الذي هو شرعي دلَّت عليه النصوص، إلى غيره، فيستخدم (غير المسلمين) أو (الآخر)، أو يستخدم (أهل التقصير) لمن هم رؤوس الضلالة والفجور في الأمة.
ولا يخفى أن المصلطح الشرعي هو الذي لا يُطلَب به بدلٌ، ولا عنه حِوَلٌ؛ لدقة معناه، وعمق مرماه. وقد تكلم أهل العلم كابن تيمية وغيره في أهمية التمسك بالمصطلح الشرعي وأنه يزيل كثيرًا من الإشكال.
ثالثًا: الذلة على الكافرين، والكبر على المؤمنين: وهم بهذا يعارضون مراد الله - تعالى - حين حكى حالَ أهل الإيمان، فقال: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وحين أمر نبيَّه ﷺ، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: ٣٧]؛ ولكن أهل الإرجاء الفكري تجد لديهم تمام التودد للكفار والزنادقة، ولين الخطاب والتسامح معهم، مع غلظة وشدة وجفوة واستعلاء مع إخوانهم من أهل الإيمان.
رابعًا: كَتْمُ بعض النصوص الشرعية: تلك التي فيها الوعيد والتهديد، أو التي يتوهَّمون شِدَّتها وعنفها كالحدود، فيحاولون تجنُّب ذِكرِها تمامًا، والتنصُّل منها؛ وكأنها غير موجودة أصلًا، مع إبرازهم في المقابل للنصوص الشرعية في الوعد والتسامح والعفو، وقد خاطب الله - تعالى - أهل الكتاب، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٥٨].
خامسًا: محاولة الوقوع على نقطة التقاء مع أصحاب المذاهب: فيكون أحدهم صامتًا ساكتًا ردحًا طويلًا، والأمة حوله تئن من أعدائها المختلفين في مشاربهم ومذاهبهم، وكلٌّ منهم ينهشها نهشًا، وهو لا يحرك ساكنًا؛ فإذا رأى قولًا لصاحب فكر منحرف أو مذهب هدَّام بادر لإعلان الموافقة، وتعاضُدِ الفكرة، وهو في هذا كله يغض الطَّرْف عن الانحرافات الكفرية أو البدعية أو الهدامة؛ فلا ينبه الناس عليها، فيكون عند ذلك الغش الذي يتسرب لعموم المسلمين: أن الشيخ فلان وافق فلانًا فهو على الخير، فنال تزكية لدى عوام الناس؛ فلا يمسُّه بعد هذا نكير، إلا وصاح الناس في المنكِر عليه باطلَه أخذًا بتزكية من أصيب بالإرجاء الفكري من قَبْلُ.
2 / 21