ثم ذهبا إلى الأعيرج وقالا له: «إن مرقس هذا أقدر الناس على البحث عن ابنك، فلنرسله عسى أن يقف على كنه الأمر.»
فقال: «وكيف نطلق سراحه وهو الذي قتله أو علم بقتله، وقد قبضنا عليه وجواد أركاديوس وعدته وثيابه معه؟»
فقال المقوقس: «يلوح لي أن الرجل برئ من القتل، ونحن نعرفه منذ أمد بعيد، ولا نراه محلا للتهمة: فأرى أن نرسله في هذه المهمة كما أرسلنا سواه، فلعله يعود بالخبر اليقين.»
فقال الأعيرج: «فليذهب، وعليكما عبء ما يفعل.»
فأذعنا وجاءا إلى مرقس فأطلقا سراحه، وأوصياه بالعودة على عجل، فودعهما وخرج. •••
أما زياد فإنه لما افتقد أركاديوس في محبسه ولم يجده، ولم يعثر عليه في ناحية من نواحي المعسكر، عاد إلى بلبيس ليطلع أرمانوسة على الأمر، وكانت أرمانوسة في قصرها ومعها بربارة والخدم، وهي على مثل الجمر في انتظار زياد، فلما أبطأ عليها أخذت تندب سوء حظها، وتقول: «يا بربارة، ويلي قتلوا أركاديوس، أين أنت يا أركاديوس؟ آه من جبروت الدهر!» وفيما هي في ذلك إذ سمعت غوغاء في الدار، وجاء خادم يقول لها أن رجلا رومانيا بالباب، فخرجت بربارة إليه فإذا به أركاديوس يقرع الباب وعلى وجهه أمارة الرعب، وعلى زنده آثار الدم، فلما رآها صاح بها: «أين أرمانوسة؟ هل هي في خير؟»
قالت: «نعم في خير.» فدخل مسرعا وهو لا يكاد يصدق أنه يراها على قيد الحياة، فلما وقع نظره عليها لم يزد على قوله: «الحمد لله. أنت حية!» فدهشت وقالت: «ما خبرك يا حبيبي ؟ وكيف أتيت؟ هل رأيت زيادا؟»
قال: «لا، لم أره.»
قالت: «كيف نجوت من الأسر؟»
قال: «نجوت منه بالرغم من الحبال التي شدوا بها وثاقي، وما ساعدني على تمزيقها إلا خوفي عليك، فقد كنت في الخيمة بعد ذهاب زياد بالصليب الذي أرسلته إليك، فسمعت قرع الطبول ونفخ الأبواق والعرب يهمون بالهجوم على بلبيس، فوقفت أرى ما يكون من أمرهم، فإذا بهم قد تسلقوا الأسوار ودخلوا المدينة، فأيقنت أنهم سيصيبونك بسوء، فهبت عواطفي واتقد دمي حتى غاب رشدي، وهممت بالمجيء للدفاع عنك عسى أن أموت دونك أو أنقذك، فحاولت قطع الوثاق فلم أستطع، لأنه كان أمراسا مجدولة من الشعر، فأصبحت كالمجنون، وأخيرا أسندت ظهري إلى عمود الخيمة، وجعلت أحك بالحبل به ذهابا وإيابا، فشعرت بنتوء حاد بارز من العمود فجعلت أمرر الحبل عليه كأني أحزه به حزا، وقد شعرت بقوة غريبة، فكنت أحك ظهري بالعمود صعودا ونزولا، وأحاول التملص من الوثاق وأضغط ذراعي بعنف، حتى غرز الحبل في لحمي وأنا لا أشعر، فانقطع الحبل بعون الله، فأسرعت إلى الأسوار لا ألوي على شيء، وجئت مسرعا وأنا لا أكاد أصدق أني ألقاك، فالحمد لله على سلامتك.»
Halaman tidak diketahui