وراح الآباء والأمهات يعدون الأولاد، ويرون من الغائب، ويوصونهم ويخيفونهم من الشياطين السود، ومن مغادرة الدور.
واختفت الشمس وراء نخيل الحوشة وحدها، ودون أن يراها أحد، فقبل المغرب كانت الأبواب قد أغلقت كلها، والناس رابضين في الدور وفوق السطوح.
ولم ينم الناس. وكيف ينامون؟! وانطلقوا يتحدثون داخل المنادر والقاعات، غير مقتنعين بالذي حدث ولا مقيمين له أي اعتبار.
وجاء قطار الثامنة يتهادى، وسمع الناس صفيره، فانقطعت الأحاديث واستعدت الآذان كلها لسماع ما يجري للعائدين من البندر في القطار، الذين بلا شك لم يعلموا بما جد، ولم يهيئوا أنفسهم له.
وارتجت قلوب كثيرة، وبكت نساء، ونهنهت عجائز، والآذان تشرخها الصرخات التي عمت القرية، وتلسعها أصوات الاستجارة والهرولة والركض.
وأعقب الضجة سكون أغرق الليل والظلمة والناس، ما كان يقطعه إلا دبيب الأحذية الميري الثقيلة، وهي تحف بالأرض بين الحين والحين، والصوت الرفيع ذو اللكنة البربرية الغريبة يقول وكأنه مطواة تقطع: مللي هناك؟
ولا يرد عليه أحد، وقد ينبح كلب بعيد، ثم يعود الصمت الغامق.
وبات الناس ليلة طويلة أكثرها خوف ويقظة، والقرية قد لفها جو خطير محير.
وأدرك الناس في حسرة حينئذ أن المسألة جد لا هزل فيها، وأن الذي يقع ستزهق روحه، وتسلخ الكرابيج جتته. •••
وطلع الصبح.
Halaman tidak diketahui