455

الاربعون حديثا :459

فصل: في بيان مبادىء محاسن الاخلاق ومساوئها المذكورة في نهاية

وصية الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم

إننا وإن شرحنا في هذا الكتاب في مناسبات عديدة ، كثيرا من خلق النفس ، بصورة مفصلة، وذكرنا حسب الميسور والمناسبة كيفية الاتصاف بالمحامد الخلقية والابتعاد عن مساوئها ومفاسدها ، ولكننا في هذا المقام نستعرض بيانا جامعا في هذا الموضوع .

إعلم أن الخلق عبارة عن حالة نفسية ، تدفع الإنسان نحو العمل من دون تروي وتفكر . فمثلا إن الذي يتمتع بالسخاء ، يدفعه خلقه هذا إلى الجود والإنفاق من دون حاجة إلى تنظيم مقدمات ، وترتيب مرجحات . وكأن هذا الخلق غدا من الأمور الطبيعية للإنسان مثل النظر والسمع . وهكذا النفس العفيفة التي أصبحت العفة خلقا لها وجزئا طبيعيا لها ، وما دامت النفس لم تبلغ هذا المستوى من التجذر الخلقي بواسطة التفكر والتدبر والترويض ، لم يكن لها أخلاق وكمال ، ويخشى عليها من زوال الخلق الكريم الذي يعد من الكمالات النفسية ، وتغلب عليها العادات والخلق السيء . وأما إذا بلغ الخلق مستوى الأفعال الطبيعية في الإنسان ، وغدا من قبيل القوى والآلات ، وظهرت سلطنة الحق وقهره ، لكان زواله مشكلا ونادرا .

وقال علماء الأخلاق أن هذه الحال والخلق النفسية قد تكون في الإنسان طبيعية وفطرية ، ومرتبطة بمزاج الإنسان من دون فرق بين ما هو خير وسعادة أو شر وشقاء . كما هو المشهور من أن بعض الناس منذ نعومة أظفارهم يرغبون في الخير ، وبعضهم ينزع نحو الشر وأن البعض يثار بأدنى شيء ، ويستوحش من عمل بسيط ، ويفزع من أقل سبب ، وبعض يكون على خلاف ذلك . وقد تحصل بعض هذه الخلق النفسانية من خلال العادات والعشرة والتدبر والتفكر ، وقد تحصل نتيجة التفكر والتروي حتى يبلغ مستوى الملكة .

وهناك اختلافات كثيرة بين علماء الأخلاق ، لا مجال لذكرها والبحث عنها في هذا الكتاب حيث تمنعنا عن التعمق في الهدف الأساسي . فنحن نستعرض ما يناسب المقام ويجديه فنقول :

لا بد من معرفة أنه ليس المقصود من قولنا إن الخلق النفسية ، طبيعية وفطرية . إنها ذاتية وغير خاضعة للتغيير ، بل إن جميع الملكات والخلق النفسانية ، قابلة للتبدل والتحول ، ما دامت النفس تعيش في هذا العالم ، عالم الحركة والتغيير ، وتخضع للزمان والتجدد ، وتملك الهيولى والقوة ، ويستطيع الإنسان أن يغير خلقه النفسي ويحوله إلى أضداده . وإضافة إلى الاربعون حديثا :460

Halaman 459