406

جهرا» (1) . وفي الكتاب الإلهي الشريف ، لدى حكاية معراج الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم « ثم دنى فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى» (2) ولا تتنافى هذه المشاهدة الحضورية الفنائية ، مع البرهان على عدم الاكتناه والإحاطة للذات المقدسة ، ومع الأخبار والآيات التي تدل على تنزيه الحق جلا وعلا من كل عيب ونقص وحد . بل يكون مؤكدا ومؤيدا لها .

فانظر الآن ما جدوى هذه التوجيهات والتأويلات البعيدة ؟ هل نستطيع أن نوجه كلام الإمام أمير المؤمنين عليه السلام الذي يقول «فهبني صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك» (3) هل أن تحرق وتألم أولياء الله ، من فراق حور العين وقصور الجنة ؟ وهل يمكن تفسير هذه الجملة (ما عبدتك خوفا من نارك ولا طمعا في جنتك بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك عبادة الأحرار) على أن هذا الأنين من جراء الفراق عن الجنة وأطعمتها ؟ هيهات أن يكون ذلك ، إنه لكلام غير موزون ، وتوجيه غير مقبول .

هل يمكن القول أن تجلي جمال الحق سبحانه ليلة المعراج ، والمجلس الذي أقيم في تلك الليلة من دون أن يحضرها أحد من الكائنات أو لم يطلع على أسراره أحد ، حتى أمين الوحي جبرائيل ، بأنه مشاهدة للجنة وقصورها المشيدة ، وأن أنوار العظمة والجلال هي رؤيته لنعم الحق ؟

هل أن التجليات التي حصلت للأنبياء عليهم السلام ، والتي ورد ذكرها في الأدعية المعتبرة هي من قبيل النعم والمأكول والمشروب أو البساتين والقصور ؟

ومن المؤسف أننا نحن المساكين ، المسجونين في الحجب المظلمة ، والمصفدون بسلاسل الآمال والأمنيات ، لا نفهم إلا المطعومات والمشروبات والمنكوحات وأمثالها ، وإذا أراد فيلسوف أو عارف أن يرفع هذه الحجب ، اعتبرنا سعيه هذا غلطا وخطأ ، وما دمنا مسجونين في البئر المظلم ، عالم الملك لم نستوعب شيئا من أصحاب المعارف والمشاهدات .

ولكن عزيزي : لا تقارن نفسك مع الأولياء ، ولا تظن بأن قلبك يضاهي قلوب الأنبياء وأهل المعارف . إن قلوبنا ذات غبار التعلق بالدنيا ، وملذاتها وإن انغماسنا في الشهوات يمنع قلوبنا من أن تكون مرآة لتجلي الحق سبحانه ، ومحلا لظهور المحبوب . ومن المعلوم أننا لا نعي شيئا من تجليات الحق وجماله وجلاله عندما نشعر بالأناينة والذاتية والمحورية بل يجب أن نكذب في هذا الحال أحاديث الأولياء وأهل المعرفة ، فإن لم نكذبها بألسنتنا في الظاهر ، الاربعون حديثا :411

Halaman 410