389

الاربعون حديثا :393

يقول أهل المعرفة العرفاء أن العبادات بأسرها ، ثناء للمعبود ولكن كل منها ثناء على الحق سبحانه ، بواسطة نعت من النعوت أو اسم من الأسماء ، إلا الصلاة فإنها ثناء للحق مع جميع الأسماء والصفات . وقد تقدم منا الكلام لدى شرح بعض الأحاديث أن ثناء المعبود من الفطرة ، التي جبل عليها جميع الناس ، والتي تقضي بلزوم الثناء على المعبود ، والخضوع للكامل المطلق والجميل المطلق والمنعم المطلق والعظيم المطلق . وحيث أن أحدا لا يستطيع أن يكتشف كيفية ثناء الذات الأحدى المقدس ، لأنه قائم على معرفة الذات والصفات ، وكيفية ارتباط عالم الغيب بعالم الشهادة ، وعالم الشهادة بعالم الغيب ، وهذه المعرفة غير متيسرة لكل أحد إلا عن طريق الوحي والإلهام الإلهي ، لهذا كانت العبادات بشكل عام توقيفية ، وبيد الحق سبحانه ، ولا يحق لأحد أن يشرع من عنده ، ويبدع عبادة ، كما لا اعتبار لأساليب التواضع والاحترام المعهودة عند الناس أمام الكبار والسلاطين ، لا اعتبار لها عند ساحة قدس رب العالمين . فلا بد للإنسان أن يفتح سمعه وعينه ويتلقى كيفية العبادة والعبودية من الوحي والرسالة ، من دون أن يتصرف هو بنفسه .

فبعد أن علمنا بأن العبادة هي الثناء على المعبود ، إعلم بأن حضور القلب كما أشير إليه ينقسم إلى قسمين مهمين :

أحدهما حضور القلب في العبادة . والآخر حضور القلب في المعبود .

أما حضور القلب في العبادة ، فله أيضا مراتب ، وعمدتها مرتبتان :

أحداهما : حضور القلب في العبادة إجمالا : وهو أن الإنسان لدى إنجازه لعبادة مهما كانت هذه العبادة من الطهارة مثل الوضوء والغسل أو من قبيل الصلاة والصيام والحج وغيرها من الأمور العبادية يعرف إجمالا بأنه يثني على المعبود ، رغم عدم معرفته أي ثناء يثني أو أي اسم من أسماء الحق يدعو .

لقد كان شيخنا العارف الكامل الشاه آبادي روحي فداه يضرب مثلا على حضور القلب في العبادة على سبيل الإجمال بأن شخصا ينظم قصيدة في مدح أحد فيعطيها لطفل لا يستوعب معنى القصيدة كي يلقيها أمام ذلك الشخص ، ثم يفهم الطفل بأن هذه القصيدة قد نظمت في مدح ذلك . فعندما يقرأ الطفل هذه القصيدة ، يعلم إجمالا بأنه يثني على الممدوح رغم جهله لكيفية ثنائه عليه . ونحن الذين أيضا بمثابة الأطفال نمدح الحق ، من دون أن نعرف ما هي أسرار هذه العبادات ؟ وما هي الأسماء التي ترتبط بها هذه العبادات ؟ وكيف تكون هذه العبادات ثناءا للحق جل وعلا ؟ ولكن لا بد وأن نعرف إجمالا بأن كل واحد من هذه العبادات ، ثناء على الكامل المطلق والمعبود المطلق والممدوح المطلق ، على الشكل الذي أثنى هو بنفسه على نفسه ، وأمرنا أن نثني أمام ساحته المقدسة بنفس هذه الكيفية .

Halaman 393