Pandangan Kritikal Terhadap Masalah Pemikiran dan Budaya
آراء نقدية في مشكلات الفكر والثقافة
Genre-genre
والأهم من ذلك أن «النزوع» الميتافيزيقي سيظل له مبرره، حتى على الرغم من إدراك الإنسان عدم جدواه؛ إذ إن من صفات العقل البشري ألا يترك مجالا للتجربة دون أن يضفي عليه معنى، وهو لا يقبل أن يترك «فراغات» خالية من الدلالة في عالمه، هذه هي طبيعته، وعلى هذا فطر. •••
والفن، ماذا نقول عنه؟ أهو مجرد صيحات انفعالية، ولكن على مستوى عال؟ أم هو نظام رمزي يعبر عن معان تنتمي إلى مجال أوسع من مجال اللغة الكلامية، ويكون تجربة أصلية تقف إلى جوار تجربة التفكير اللغوي، وينبغي أن تقاس بمقاييسها؟
إن الفن أولا ليس تجربة تبعث اللذة أو ترضي الحواس مباشرة؛ لأنه لو كان كذلك لأمكن أن يتذوقه الجميع بمقدار متساو، على حين أن الفن - في أيامنا هذه التي أصبحت فيها روائعه متاحة لأكبر عدد من الناس - لا يجد استجابة إلا لدى القلة منهم فحسب، مع أن ما يبعث الرضا في الحواس يلقى من الجميع نفس الاستجابة، وفضلا عن ذلك، فحسبنا أن نتأمل اتجاهات الفن المعاصر لندرك أن الفن لا يجلب في كل الأحوال لذة الحواس أو يبعث السرور في النفس، وإذن فدلالة الفن لا تنقل إلينا مباشرة؛ لكي تدركها حواسنا على نحو ما تدرك موضوعاتها المألوفة، فهل تكون الأعمال الفنية - كما تقول نظرية التحليل النفسي - رموزا لأشياء محبوبة أو مرغوب فيها، ولكنها ممنوعة أو محرمة علينا، بحيث تكون هذه الأعمال تعبيرا عن رغبات لا شعورية تستخدم الموضوعات التي تمثلها أداة لتصوير الأخيلة الخفية في نفس الفنان؟ إن نظرية كهذه لا تقدم أساسا للتفرقة بين العمل الفني الجيد والعمل الفني الرديء؛ فهي قد تعلل سبب ظهور العمل الفني عند الفنان، أو سبب إقبال الناس عليه، ولكنها لا تمدنا بمعيار «للامتياز» الفني؛ لأن ما تتحدث عنه إنما هو سمات تظهر في أي عمل فني، قيما كان أو تافها.
وأخيرا فليس الفن مجرد تعبير انفعالي عن ذات الفنان، الذي يحس بمشاعر معينة ويبعثها فينا عن طريق إثارة مشاعر مماثلة في نفوسنا.
فالرسالة التي ينقلها إلينا الفن أعمق من أن تكون مجرد انفعال نتعاطف به مع الانفعال الأصلي للفنان. إن الفن يفتح لنا آفاق عالم من المعاني التي يعبر عنها بطريقته الرمزية على نحو فريد لا تشاركه إياه وسيلة أخرى من وسائل التعبير.
ولو شئنا أن نتأمل الصفة الرمزية للفن على أوضح صورة ممكنة، فلنركز بحثنا في الموسيقى التي وصفت بأنها فن الصورة الخالصة بلا مادة، وبأنها الفن الذي لا يستمد مضمونه من أي موضوع خارجي مباشر.
إن لتركيب الموسيقى كثيرا من الخصائص التي تتيح استخدامها رمزيا، وتقترب بذلك من طبيعة تركيب اللغة؛ فهي تتألف من وحدات منفصلة (هي أصوات السلم الموسيقي) يمكن الجمع بينها على أنحاء مختلفة كل الاختلاف، كما أن لهذه الوحدات القدرة على أن يغير بعضها طبيعة بعض عند تجمعها، كما يحدث للكلمات عندما تتجمع في بيت من الشعر مثلا، ومع ذلك فإن هناك فارقا أساسيا بين الموسيقى وبين اللغة؛ إذ ليست للموسيقى مفردات ذات معنى ثابت؛ لأن الأصوات والأنغام الموسيقية ليست لها أية دلالة ثابتة، على عكس الحال في الكلمات اللغوية.
وإذن فالموسيقى هي عالم من المعاني المستقلة عن المعاني اللغوية، ومن العبث أن نلوم الموسيقى على عجزها عن التعبير عن مشاعر كالحزن أو الفرح بنفس الدقة التي تعبر بها اللغة الكلامية عنها؛ إذ لو كانت الموسيقى تستهدف مثل هذه الدقة والوضوح لكان عملها مجرد ازدواج للوظيفة اللغوية، على حين أنها هي وسائر الفنون إنما تكشف عن أوجه أخرى من عالم المعنى، غير تلك التي تختص بها اللغة.
إن الموسيقى لا تقبل «الترجمة» إلى اللغة؛ فهي وسيلة للمعرفة أو لكشف المعنى تقف مع اللغة جنبا إلى جنب.
فعلى أي نحو إذن تعبر الموسيقى عن عالمها الخاص من المعاني؟ إنها تعبر عنه بطريقة رمزية؛ إذ إن القالب أو الصورة
Halaman tidak diketahui