قال جورج: «لا أراك تضربين رأسك في الأرض.» فعادة ما كان يمزح مع الفتاتين مهما كانت حالته المزاجية. كان المزاح الجارح عادته، ولقد لاقى نجاحا منقطع النظير في الفصول الدراسية حيث أكد على شخصيته المبالغة نوعا ما، القاسية بين الحين والآخر، الممتعة دوما. وسلك السلوك نفسه مع أغلب المدرسين الآخرين أيضا، معبرا عن ازدرائه لهم على نحو مذهل، لدرجة أنهم لم يصدقوا أنه يعني ما يقول.
كان يروق لإيفا أن تستجيب لأي اقتراح من هذا النوع؛ فتمددت على المصطبة، وضربت رأسها بقوة على الألواح الخشبية.
قالت روبرتا: «ستصابين بارتجاج.» «لا، لن يحدث ذلك؛ جل ما في الأمر أنني أجري لنفسي جراحة في المخ.»
سألت أنجيلا: «جورج، هل تدرك أننا سنرحل بعد أربعة أيام؟ ألا يفطر ذلك قلبك؟» «إلى نصفين.»
قالت إيفا بعد أن جلست منتصبة وتحسست رأسها بحثا عن أية كدمات: «ولكن، هل ستسمح لأمي بأن تتعهد ديانا بالرعاية بعد أن نرحل؟»
سألتها روبرتا: «ماذا تقصدين ب «يسمح»؟!» وفي الوقت نفسه قال جورج: «بالطبع لا. سأربطها في عمود السرير إذا حاولت أن تقترب من الحظيرة.»
كانت هذه الهرة مزعجة؛ فإذا كانت أنجيلا ترى المزرعة مسرحا لها أو الطبيعة - التي تلهمها الأفكار والأشعار التي تسلم نفسها لها فتهيم على وجهها وتسرح في عالم الأحلام - فإن إيفا تراها مكانا مثاليا لرعاية الحيوانات، ولا تنسى أن تكرس بعضا من عنايتها للحشرات وأسماك المنوة والصخور والرخويات. ولا شك أن الاثنتين تريانها مكانا لتمضية الإجازة يفتح ذراعيه لهما فتسخرانه لأغراضهما ومتعهما أيا كانت، بيد أنهما لا تريان الأعمال المفترض عليهما القيام بها. أمضت إيفا الصيف في مطاردة خنازير الأرض والأرانب، وإقامة شراك للضفادع ثم إطلاق سراحها، واصطياد أسماك المنوة ووضعها في جرة، ومحاولة إيجاد حل لمشكلة استيعاب الحظيرة لأنواع مختلفة من الحيوانات. وحملها جورج مسئولية استدراج الغزال خارج الأجمة - إشباعا لرغبتها الشديدة لفعل ذلك - مما اضطره إلى ترك كل الأعمال التي بين يديه وإقامة حاجز سلكي بارتفاع 8 أقدام حول الحديقة. والحيوان الوحيد الذي تمكنت من اجتذابه إلى الحظيرة هي الهرة ديانا الدميمة نحيلة الذيل، نصف البرية، التي تشي حلماتها المتدلية بأنها تتعهد عائلة كبيرة من الهريرات في مكان ما؛ ولذا كانت إيفا تقضي أكبر قدر من وقتها في محاولة استكشاف مكان تلك الهريرات.
يرى جورج أن الهرة كائن طفيلي، ومصدر إزعاج شديد مرتقب، ومتعد على ممتلكاته. وبإطعامها وتشجيعها، يرى جورج أن إيفا سلكت درب الخيانة الصغرى - وإن كانت مؤثرة - التي دعمتها روبرتا سرا. إنه يعلم أن مشاعره بهذا الصدد مبالغ فيها، بل وحتى كوميدية؛ لكن هذا لا يساعده. فمن الأشياء التي كان يتجنبها ولم يرد أن يحققها قط أن يكون أبا كوميديا، شاجبا وأخرق. لكن سلوك روبرتا هو الذي يزعجه أكثر من تصرفات إيفا؛ فهنا تتجلى تماما الغلطة التي اقترفتها في تريبة بنتيها. ففي مخيلته، يستطيع أن يسمع روبرتا تتكلم مع شخص ما في حفلة قائلة: «تربي إيفا هرة بشعة، دميمة الهيئة ولا مأوى لها. هذا هو إنجازها الذي حققته خلال فصل الصيف. وأنجيلا تمضي نهارها كله في ممارسة قفزات الباليه وتلقانا بوجه عبوس.» إنه لم يسمع روبرتا تقول ذلذك فعلا - فهم لم يرتادوا أية حفلات - لكنه يستطيع أن يتخيل السيناريو بجلاء؛ أن تستدعي الفتاتين لتسلية الآخرين، وتجعل منهما شخصيات مسرحية لا يتوقع المرء منها أي شيء جدي. لا تبدو هذه الصورة الخيالية من منظور جورج تافهة فحسب بل وعديمة الشفقة أيضا. إن روبرتا المتساهلة مع ابنتيها، القلقة دائما من أن يجداها غير محبة لهما، ولا مهتمة بهما، ولا متفهمة لهما بالقدر الكافي؛ تحرمهما - مع كل ذلك - شيئا مهما؛ فهي لا تأخذهما على محمل الجد، ولا تربيهما التربية الحقة. وكيف لجورج أن يواجه هذا الموقف؟ إنه ليس أباهما. ومن بين الأسباب التي منعته من الإنجاب شكوكه في قدرته على إيلاء اهتمامه دون تحفظات - وطالما دعت الحاجة - لمسألة تربية النشء هذه تحديدا. فجورج كمدرس يعرف كيف يحدث جلبة شديدة ويجعل الأمور تسير في صالحه، لكن أن يضطر إلى أن يفعل ذلك في البيت أيضا مسألة مرهقة جدا. وكان الفتية - بصفة أساسية - هم الذين استطاع كسر شوكتهم؛ فهم مصدر الخطر في الفصل الدراسي. أما الفتيات، فلم يجشم نفسه قط عناء التعاطي معهن، فيما خلا بعض المناوشات مع المثيرات منهن وحسب. ولا يستقيم ذلك هنا.
وبعيدا عن كل ما سبق، فإنه عادة ما لا يستطيع إلا أن يعجب بأنجيلا وإيفا. بالنسبة له تبدو الفتاتان مرتبكتين وجذابتين، وهما تجدانه مسليا جدا؛ الأمر الذي يزعجه تارة ويروق له تارة أخرى. فعادته مع الناس إما التحفظ الشديد أو الإمتاع الشديد، ويميل هو شخصيا إلى الخيار الأول؛ ولذلك، فهو يحب أن يلقى إمتاعه تقدير الآخرين.
ولكن عندما أنهى إفطاره وأحضر سلتين سعة كل منهما ست كرات واتجه إلى الحديقة لجمع الطماطم، لم يحرك أحد ساكنا لمساعدته. استمرت روبرتا سجينة أفكارها المتقلبة وظلت تحتسي قهوتها. وكانت أنجيلا قد انتهت من تمارينها، وعكفت على التدوين في المفكرة التي تستخدمها لتسجيل مذكراتها. وانطلقت إيفا إلى الحظيرة. •••
Halaman tidak diketahui