فضحك وقال: «صدقت، هي في قصر المنصور، وفي الغد أحملها إليك مع جدتها. ألا يكفيك ذلك؟»
قال: «بلى، وإني شاكر لك معروفك، وقد آن لنا أن نكون كالإخوة؛ فأنت أخي وصديقي منذ الآن، وقد انقضى زمن الخدمة بانتهاء هذه المهمة.»
فأثنى سلمان عليه، وباتا بقية ذلك الليل ونهضا مبكرين، فقال سلمان: «إني ذاهب لساعتي بلباس رئيس المنجمين حتى يسهل علي الدخول إلى قصر المنصور لإحضار ميمونة، وأنت ماذا تفعل؟»
قال: «أسير في ظلك أو أنت تسير في ظلي حتى لا نضيع فرصة.» قال: «حسنا.» •••
تزيا سلمان بزي رئيس المنجمين وركب بغلته، وركب بهزاد جواده وعليه القباء والقلنسوة والسراويل كأنه أحد كبراء الفرس. فمرا بأسواق الكرخ وقد لاح الفجر، وتحولا من ناحية باب الكوفة فهالهما ما شاهداه من ازدحام الأقدام، واستغربا كثرة ما يتساقط عليهما من الحصى التي كان العيارون يرمونها من الأسوار. وقبل وصولهما إلى الباب رأيا جماعات من الناس وفيهم أهل الأسواق فضلا عن الجند الخراساني يستبقون إلى البستان الذي كان طاهر معسكرا فيه، وإذا برأس مرفوع على قناة فعلم سلمان أنه رأس الأمين جاء به طاهر وغرسه على برج فوق حائط البستان. ولما رآه الناس سقط في أيديهم وهلعت قلوبهم، أو لعلهم فرحوا لانتهاء الحرب. ولما وقع نظر بهزاد على الرأس كبر واستعاذ بالله وقال: «سبحان الحي الباقي، اليوم سقطت دولة وقامت دولة أخرى. إذا عرف الفضل بن سهل الانتفاع بهذا النصر.»
فقال سلمان: «ماذا ترى طاهرا يفعل بهذا الرأس؟»
قال: «أظنه يرسله إلى المأمون في خراسان ومعه البردة والخاتم والقضيب، لتطمئن القلوب ويتحققوا النصر، ولينال طاهر جائزة كبيرة ويصبح المأمون الخليفة الوحيد.»
أما قصر المنصور فكان سلمان قد غادره بالأمس وأهله غافلون عما يجري في قصر الخلد، وكانت القهرمانة فريدة مشتغلة بشئونها فجاءها الحاجب يقول: «إن ابن الفضل بن الربيع بالباب يطلب أن يراك.» وكانت تعرف الفضل ومنزلته عند الأمين، فظنت ابنه قادما بأمر مهم فأذنت في دخوله. وكان قد مضى عليه وقت طويل وهو مختف مع أبيه، لكنهما لم يفارقا بغداد فكانا على بينة مما يجري فيها، فلما علم في ذلك المساء أن الأمر قد استفحل ولا تلبث بغداد أن تسقط في أيدي الخراسانيين، وكان يراقب حركات ميمونة ويعرف أمرها، أخذ يسعى جهده في الحصول عليها حتى ذهب إلى زبيدة في صباح الأمس وأقنعها بأنه يستطيع أن يستعلم منها عن محل بهزاد ولمح أنه يحبها، فقالت: «إذا استطعت معرفة مكان الرجل فإنها لك.» فطلب منها أمرا للقهرمانة أن تأذن في مقابلتها. ولما رأى اضطراب الحال أتى ببعض العيارين واستأجرهم لاختطاف ميمونة إذا لم تأذن القهرمانة بتسليمها وجاء إلى قصر المنصور.
فلما دخل على القهرمانة قابلته أحسن مقابلة، وسألته عما يريده فدفع إليها كتاب زبيدة، فتذكرت أن سعدون كان قد أوصاها بألا تأذن لأحد في إخراجها، فلم تر بأسا من أن يقابلها ابن الفضل فدخلت عليها وأخبرتها أن ابن الفضل يريد مقابلتها، وكانت جدتها عبادة معها فقالت: «لا حاجة لنا به.»
فقالت: «ولكنه جاءني بأمر من مولاتنا زبيدة.»
Halaman tidak diketahui