وهو على كل حال قد أخرج السيارة وانتظر الفتاة حتى أقبلت، ولم يكد يخرج بها من الدار حتى وجهته وجهة غير وجهة الجامعة، ثم أفضت إليه في رشاقة وظرف بشيء من سرها وطلبت إليه أن يكتم عليها أمرها؛ فهي لا تذهب إلى الجامعة وإنما تذهب للقاء صديق، وقد وقفت السيارة أمام دار ضخمة، ونزلت الفتاة فغابت لحظة ثم عادت ومعها فتى قدمته إلى الغلام فصافحه الفتى، وأنكر الغلام الأسود هذه المصافحة من فتى أبيض وسيم، ثم لم يلبث أن أنكر منهما كل شيء، فهما يتحدثان إليه حديثا قد برئ من الكلفة، وما يمنعهما من ذلك وهما شيوعيان لا يريان الفرق بين الألوان ولا يريان الفرق بين الطبقات؟ وهما يريدان أن يتخذا من هذا الغلام الأسود رفيقا لهما لا يعنيهما أن يكون أسود ولا أن يكون سائقا لسيارة، بل هما يألفانه من أجل هاتين الخصلتين.
وهما يلحان عليه في أن يؤديهما إلى مطعم من مطاعم السود، وأن يختار لهما من هذه المطاعم مطعما أنيقا، والفتى يطيع، ثم يدعوانه إلى أن يشاركهما في عشائهما، فيأبى فيلحان فيجيب كارها.
وقد جلس ثلاثتهم إلى المائدة فطعموا وشربوا وتحدثوا، والغلام الأسود منكر لهذا كله، مستح من هذا كله، يكره أن يراه نظراؤه السود يؤاكل قوما من الأغنياء البيض، ثم ينصرفون عن المطعم فيمضون للنزهة ويسرف الفتيان على أنفسهما وعلى الغلام الأسود في الشراب؛ فيشربان ويسقيانه حتى يأخذ السكر منهم جميعا.
وقد تقدم الليل حتى كاد يبلغ ثلثيه، وانصرف الفتى الأبيض قريبا من دار الفتاة بعد أن ودع صاحبته وسقاها شيئا من الخمر على أنها شربة الوداع، وقد تواعد الفتيان على أن يلتقيا بعد ثلاثة أيام؛ لأن الفتاة ستسافر من غد في أول النهار.
وبلغ الغلام الأسود بالفتاة دارها ووقفت السيارة، ولكن الفتاة لا تستطيع حراكا قد أخذ السكر منها مأخذا عظيما، يعينها الغلام الأسود على أن تخرج من السيارة، ولكنها لا تستطيع أن ترقى السلم، فيعينها على ذلك، ولكنها لا تستطيع أن تدخل الدار لأنها لا تستطيع أن تستقل على قدميها، فيحملها الغلام الأسود بين ذراعيه، ويبلغ بها غرفتها بعد جهد شديد وقد وضعها على سريرها، ولكنه ليس أقل منها سكرا، وقد رأى بينها وبين صاحبها الأبيض ما أثار في نفسه شيئا من الإغراء، وهو متردد يهم وما يكاد يفعل، والفتاة لا تعقل ولا تقاوم. ولكن باب الغرفة يفتح في رفق وتدخل منه هذه الصورة البيضاء الشاحبة التي تتقدم متحسسة من طريقها، وقد امتلأ قلب الغلام الأسود خوفا وفرقا يشفق أن تنطق الفتاة فتنبئ بمكانه فتكون الكارثة، وأي كارثة أعظم من أن يؤخذ غلام أسود مع فتاة بيضاء في غرفة نومها؟! وهنا يفقد الفتى صوابه وتستأثر به الغريزة، غريزة الدفاع عن النفس، فيأخذ وسادة ويضعها على فم الفتاة حتى لا تنطق، وهو يضغط على الوسادة والفتاة تضغط بأظافرها على يده، والأم تدعو ابنتها، والغلام الأسود يلح في الضغط، والأظافر تتراخى شيئا فشيئا، ثم تنحى الوسادة وينتقل الفتى من مكانه في رفق، والأم تدعو ابنتها وقد ألصق الغلام الأسود جسمه بالجدار والأم تسعى متحسسة من طريقها حتى تبلغ السرير فتمس ابنتها وتنحني عليها، ثم تنصرف محزونة ترى أن ابنتها نائمة، ولكنها تشم رائحة الخمر فيحزنها أن ابنتها قد أمعنت في السكر.
وهي ترجع متحسسة من طريقها حتى تخرج وتغلق الباب من ورائها، ويدنو الفتى من السرير فلا يروعه إلا أن يرى أنه يخلو في هذه الغرفة إلى الموت.
فهؤلاء ثلاثة قد خلا بعضهم إلى بعض: غلام أسود، وليل حالك، وموت لا لون له. وقد أخذ عقل الفتى يثوب إليه شيئا فشيئا ويثوب معه الجزع والهلع، وتثوب معهما الغريزة التي تريد أن تدافع عن نفسها وتفتح للعقل أبوابا مختلفة من الحيل؛ فما عسى أن يصنع الفتى بهذه الفتاة الميتة؟ أيتركها ويمضي لوجهه ويلتمس الهرب؟ ولكن هربه سيثبت عليه الإثم، ولن تلبث الشرطة أن تتعقبه وتأخذه، أيتركها ويذهب إلى غرفته لينفق بقية الليل؟ ولكن أهلها سيجدونها ميتة إذا أصبحوا وسيبحثون ويستقصون وسيكون هو أول من يوجه إليه السؤال. فكيف يجيب؟ وما عسى أن يقول؟ وهنا يذكر الفتى أنه سمع الفتاة تتحدث بسفرها مع الصبي، وتتقدم إليه في أن يقوم مبكرا لينزل حقيبتها وليحملها هي إلى القطار.
فما هي إلا أن تخطر له هذه الخاطرة حتى تتفتح له أبواب من الحيل يرى بعضها واضحا جليا ويتراءى له بعضها الآخر في شيء من الغموض والخفاء، وينظر فإذا الحقيبة بين يديه قد أعدت لتضع فيها الفتاة ما تحتاج إليه من ثياب ومتاع، وما هي إلا أن يعمد إلى جثة الفتاة فيضعها في الحقيبة، ويحمل الحقيبة متكلفا حملها ويسعى متلمسا طريقه مترفقا في سعيه حتى يبلغ أدنى الدار، هناك حيث يقوم الموقد الضخم الذي لا تخمد ناره ليلا ولا نهارا، والذي علمته الخادم كيف يغذيه بالفحم حتى لا تخمد ناره ولا تضعف وكيف يزيل منه الرماد إذا كثر فيه الرماد.
وما هي إلا أن يفتح باب الموقد ويدفع فيه بجثة الفتاة، ولكن الموقد لا يشتمل على الجسم كله فما زال الرأس خارجا منه لا سبيل إلى رده، وينظر الفتى فإذا فأس من هذه الفئوس التي يقطع بها الخشب، فما هي إلا أن يأخذها ويهوي بها إلى الرأس فيبينه من سائر الجسد، ثم يضعه في المكان الملائم له من الموقد ثم يغلق باب الموقد وقد أسلم الجثة إلى نار لا تبقي ولا تذر، ثم يرد أحد شطري الحقيبة إلى شطرها الآخر، ثم ينصرف وقد أحكم رأيه إحكاما.
لقد أمرته الفتاة أن ينزل الحقيبة إلى أسفل الدار وأن يغدو مبكرا ليحملها إلى المحطة فلا عليه من أن ينفذ ما صدر إليه من أمر، فإذا سئل عن الفتاة أجاب بأنه لا يعرف من أمرها أكثر من أنه عاد بها وبصاحبها إلى الدار، وصعد معها ومع صاحبها إلى الغرفة فحمل الحقيبة وأنزلها، وأمر أن يترك السيارة أمام السلم لا يردها إلى مكانها.
Halaman tidak diketahui