والناس لا يقدرون ما يتعرض له الكاتب من الشر والنكر والشقاء من هذه الناحية؛ فالكاتب المصري قادر بطبعه عند المصريين على أن يكتب في كل شيء، وعلى أن يلم بكل موضوع، وعلى أن ينتج في كل لحظة من لحظات الليل والنهار؛ الناس كلهم محتاجون إلى الراحة إلا هو؛ فإن الراحة لم تخلق له كما أنه لم يخلق لها، كما أن التعب لا يمكن أن يجد إليه سبيلا.
والناس كلهم ميسرون لما خلقوا له إلا الكاتب؛ فإنه ميسر لكل شيء لأنه خلق لكل شيء، وما ينبغي أن تقول لأصحاب العلم إني صاحب أدب، فلا أستبيح لنفسي أن أقدم كتابا في العلم، ولا أن تقول لأصحاب السينما إني لا أعرف من أمر السينما شيئا فلا أستطيع أن أكتب عما يتصل به اتصالا قريبا أو بعيدا.
لا ينبغي أن تقول شيئا من ذلك إذا كنت كاتبا؛ لأنك بحكم صناعتك قادر على أن تكتب في كل شيء، وينبغي أن تكتب في كل شيء، والناس لا يعرفون حين يطلبون إليك المقال أو الفصل أو الحديث أو المقدمة رفقا ولا لينا ولا مياسرة، وأكاد أملي ولا حياء، فهم يطلبون ويطلبون ويلحون ويلحون، فإذا أعياهم أن يبلغوا منك ما أرادوا توسلوا إليك بمن تحب وتشفعوا إليك بمن لا تملك لشفاعته ردا حتى يبغضوا إليك الكتابة ويكرهوا إليك الأدب ويوشكوا أن يزهدوك في الحياة.
وربما يتجاوز الأمر هذا الحد إلى حدود أخرى غير معقولة ولا منتظرة؛ فالناس يعرفون رأيك في السياسة، وأن هواك مع هذا الحزب أو ذاك، ولكنهم لا يترددون في أن يطلبوا إليك أن تكتب حيث لا تحب أن تكتب.
وهم يقولون لك في ابتسام ساذج: إنا لا نطلب إليك أن تقول غير ما ترى، وإنما نطلب إليك أن تكتب ما تشاء، اكتب في الأدب فالأدب فوق السياسة وفوق الأحزاب، ليس له وطن فأحرى ألا تكون له صحيفة ولا حزب، وكذلك تنفق نهارك معرضا لهذه المطالب التي لا تنقضي والتي لا تعرف الرفق، فإذا ذكرت الصحف اليسيرة العابثة فحدث عن إلحاحها عليك وتحرشها بك ولا تخش مبالغة ولا إسرافا.
وأكاد أعتقد أن الله إنما خلق التليفون ليتيح لكتاب الصحف اليسيرة العابثة أن يمطروا عليك وابلا غزيرا من الأسئلة لا ينقضي، وليس بينك وبين محدثك سبب، وليس لك أمل في أن يكون بينك وبينه سبب، ومع ذلك فيجب أن تستجيب للتليفون إذا صلصل جرسه، وأن ترد على محدثك بعد أن تسمع سؤاله الغريب، واعتذر ما شئت أن تعتذر، فلن تخلص من إلحاحه إلا إذا خرجت عما ينبغي لك من الأدب وحسن المجاملة.
وليس من المهم أن يكون لديك من العمل ما هو خليق أن يشغلك عن التليفون، وعن الزيارة وعما يحمل التليفون والزيارة إليك من أسئلة لا رأس لها ولا ذيل، وإنما المهم أنك رجل قد اصطنع الكتابة واحترف الأدب، فنزل عن نفسه للشعب أولا وللصحف والمجلات ثانيا، وإذا لم يتح له أن يرد على أصحابها ومحرريها فلا أقل من أن يسمع لهم.
ومن طرائف هذا الباب أن أصحاب هذه الصحف ومحرريها قد انتهزوا فرصة حياتنا السياسية في هذه الأيام الأخيرة، فطاردوا أصحاب السياسة من الوزراء وأشباه الوزراء، ومن الرؤساء وأشباه الرؤساء، ومن الزعماء وأنصاف الزعماء، وما زالوا بهم حتى أنزلوهم على حكمهم؛ فهم يلمون بدورهم إذا أصبحوا، ويلمون بدورهم إذا أمسوا، ويلحقون بهم في أنديتهم حين يرتفع الضحى أو حين يقبل المساء، يلقون عليهم الأسئلة وينتزعون منهم الأجوبة، وينشرون ذلك في صحفهم متنافسين فيه متهالكين عليه.
فإذا سعوا إليك أنت أو تحدثوا إليك بالتليفون وأحسوا منك إباء وامتناعا كبر ذلك عليهم، وأنكروا أن يستجيب لهم الباشوات من أعضاء نادي محمد علي، وأن يمتنع عليهم كاتب لم يبلغ الوزراء وليس يطمع في الوزارة، ولم تتح له الزعامة وليس يطمع في أن يكون زعيما؛ فأي غرابة في أن أفكر في هذا اللون من العناء البغيض الثقيل إذا ذكرت الراحة أو سعيت إليها.
والحياة في مصر منذ أثيرت أزمتنا السياسية شقاء كلها، بالقياس إلى الرجل المثقف إن كان له قلب أو حظ يسير من العناية بالشئون العامة؛ فهو يشارك مواطنيه قبل كل شيء فيما يجدون من شقاء وما يداعبون من أمل وما يحتملون من ألم، وهو بعد ذلك حريص على أن يحسن العلم بما يقع حوله من الأحداث وما يلم بالناس حوله من الخطوب، وبما يكتب وما يقال في تلك الأحداث وهذه الخطوب.
Halaman tidak diketahui