سلسلة زاد المؤمن (٨)
الصوم جُنَّة
تأليف
د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي
تقديم
العلاّمة الشيخ د/ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين

Halaman tidak diketahui

تقديم
الحمد لله الذي هدانا للإسلام وأرسل إلينا نبيَّه محمدًا أفضلَ الأنام، فبيَّن برسالته الحلال والحرام، وفصَّل أحكام الصلاة والصيام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملكُ العلاَّم، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسولُه أفضل من صلَّى لربِّه وصام، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه البَرَرةِ الكرام، وسلَّم تسليمًا كثيرًا ما دامت الليالي والأيام.
أما بعد، فقد قرأت هذه الرسالة القيمةَ والتي بعنوان (الصَّوْمُ جُنَّةٌ) والتي صنَّفها الدكتور خالد بن عبد الرحمن الجريسي وفَّقه الله تعالى وسدَّده، ورأيتُه قد أجاد في الانتقاء والاختيار، واستوفى كلَّ ما يتعلق بالصيام وتأريخ فَرْضِه والحكمة منه وواجباته وشروطه وما يُبطِله ومن يُعذَر فيه وصيام النَّفْل وقيام رمضان وليلة القدر وزكاة الفطر، مع الأدلة واختيار الأحاديث الثابتة الصحيحة

1 / 5

وتخريجها، ومصادر النقل ونحو ذلك، فهو كتاب نافع - بإذن الله - مفيد في موضوعه، فجزى الله المؤلف خير الجزاء، وأثابه أجزل الثواب، ونفع بجهوده، والله أعلم، وصلَّى الله على محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.
كتبه
عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين
٢٥/١٠/١٤٢٥هـ.

1 / 6

مقدّمة
الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي امْتَنَّ عَلَى عِبَادِهِ الصَّائِمِينَ فَأَعْظَمَ عَلَيْهِمُ الْمِنَّةَ، وَجَعَلَ الصَّوْمَ لَهُمْ وِجَاءً وجُنَّةً، وَاخْتَصَّهُمْ بجَنَّةٍ عُظْمَى لَيْستْ كَسَائِرِ الْجَنَّةِ، بَابُهَا الرَّيَّانُ حَيْثُ أَسْرَارُ النَّعِيمِ مُسْتَكِنَّةٌ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيْكَ لَهُ رَبُّ النَّاسِ وَالْجِنَّةِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، خَيْرُ مَنْ صَامَ مُفْتَرِضًا أَوْ تَنَفَّلَ سُنَّةً، اتَّبَعَتْهُ نُفُوسٌ مُؤْمِنَةٌ فَصَارَتْ بِاتِّبَاعِهِ زَكِيَّةً مُطْمَئِنَّةً، ﷺ مَا صَامَ صَائِمٌ وَاسْتَنَّ مُؤْمِنٌ بِسُنَّةٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْمُقَرَّبِينَ السَّابِقِينَ إِلَى الْجَنَّةِ.
وَبَعْدُ، فَهَذَا مَا يَسَّرَ اللهُ تَعَالَى جَمْعَهُ وَتَرْتِيبَهُ مِمَّا يَتَعلَّقُ بِرُكْنِ الصِّيَامِ، قَصَدْتُ فِيهِ تَتَبُّعَ فَضَائِلِهِ وَأَسْرَارِهِ، وَأُمَّاتِ مَسَائِلِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَقَدِ اسْتَخَرْتُ فِي ذَلِكَ الْمَلِكَ الْعَلاَّمَ، حَتَّى إِذَا صَارَ الصَّدْرُ بِانْشِرَاحٍ لِمَا يُرَامُ، عَزَمْتُ

1 / 7

- مُتَوَكِّلًا عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ - وُلُوجَ هَذا البَابِ، مَحَبَّةً لِإِخْوَانِي أَهْلِ الصِّيَامِ، وَقَدْ جَمَعْتُ ذَلِكَ وَرَتَّبْتُهُ، ثُمَّ سَمَّيْتُهُ بِعَوْنِ اللهِ تَعَالى: (الصَّوْمُ جُنَّةٌ) تَيَمُّنًا بِحَدِيثِ مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ﷺ، فِيمَا أَخْبَرَ عَنْ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ: «يَقُولُ اللهُ ﷿: الصَّوْمُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ، وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» (١) .
هَذَا، وَقَدْ جَعَلْتُ كِتَابِي هَذَا مُرَتَّبًا عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ، بَعْدَ الْمُقَدِّمَةِ:
الأَوَّلُ ...: النُّصُوصُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالصِّيَاِم (مِنَ الْقُرْآنِ الْعَظِيْمِ) .
الثَّانِي ...: تَعْرِيفُ الصِّيَامِ، وَتَأرِيخُ تَشْرِيعِهِ.
الثَّالِثُ ...: فَضَائِلُ الصِّيَامِ وَأَسْرَارُهُ، وَخَصَائِصُ رَمْضَانَ.

(١) متفق عليه، من حديث أبي هريرة ﵁: أخرجه البخاري، بلفظه، في كتاب التوحيد، باب: قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ﴾ [الفَتْح: ١٥]، برقم (٧٤٩٢) . وبلفظ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ»، في مواضع منها في كتاب الصوم، باب: فضل الصوم، برقم (١٨٩٤)، ومسلم بلفظ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ»،؛ كتاب: الصيام، باب: فضل الصيام، برقم (١١٥١) .

1 / 8

الرَّابِعُ ...: أَنْوَاعُ الصِّيَامِ.
الخَامِسُ: أَحْكَامٌ وَمَسَائِلُ مُهِمَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالصِّيَامِ.
هَذَا وَإِنِّي سَائِلٌ اللهَ تَعَالى - فَضْلًا مِنْهُ وَمِنَّةً - الصَّلاَةَ وَالسَّلاَمَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ إِمَامِ الثَّقَلَيْنِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنَّةٍ، وَالنَّفْعَ بِعَمَلِي هَذَا عُمُومَ الأُْمَّةِ.
د. خالد بن عبد الرحمن الجريسي

1 / 9

الفصل الأول
النُّصوص المتعلَّقة بالصيام (من القرآن العظيم)
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ *أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ

1 / 11

أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ
لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ *﴾ . [البَقَرَة: ١٨٣-١٨٧]
وقال سبحانه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمْوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *﴾ . [البَقَرَة: ١٩٦]
وقال تبارك اسمه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ

1 / 12

لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا *﴾ .
وقال عزَّ مِن قائل: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *﴾ . [المَائدة: ٨٩]
وقال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ *﴾ .

1 / 13

وقال جلَّ ذِكره: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ *فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ *﴾ . [المجَادلة: ٣-٤]
أخي القارئ - وفَّقك اللَّه- لا شك بأن هذه النصوص القرآنية قد حوت مجملَ ما يحتاجه المسلم لفقه أحكام الصيام، وقد جاءت السُّنَّة النبويَّة مبيِّنة لهذه الأحكام، إلا أني اقتصرت على ذكر الآيات الكريمة؛ وذلك لكثرة ما أفاضت به الأحاديث الصحيحة والحسنة في شأن الصيام، والتي سأعمد - إن شاء الله - إلى إيراد بعضٍ منها عند الاستدلال بها في ثنايا هذا الكتاب، ولا يخفى أن استقصاء تلك النصوص الحديثية قد يُعجِز طالِبَه، ولو بذل في ذلك وسعَه، ومقصودي هنا التيسير ما أمكن، مع إيراد ما يكون سببًا لفقه المسلم بفريضة الصيام.

1 / 14