1055

قال البحتري: لقد رأيت من المتوكل في الليلة التي قتل فيها عجبا، وذلك أنا تذاكرنا أمر الكبر، وما كانت تستعمله الملوك من الجبرية فجعلنا نخوض في ذلك، وهو يتبرأ منه، ثم حول وجهه إلى القبلة فسجد وعفر وجهه بالتراب، ثم أخذ من ذلك التراب فنثره على لحيته ورأسه.

قال البحتري: فتطيرت له من ذلك ثم قعد للشراب، فلما عمل فيه غنى من حضره من المغنين صوتا استحسنه، ثم التفت إلى الفتح فقال: يا فتح، مابقي أحد سمع هذا الصوت من مخارق غيري وغيرك ثم أقبل على البكاء.

قال البحتري: فتطيرت من بكائه وقلت هذه الثانية فأنا في ذلك إذ أقبل خادم من خدم فتيحة ومعه دراعة ءحمرا لم أر مثلها قط ومطرف خز أحمر كأنه دنيقى من دقته سلت بهما فتيحة للمتوكل فلبس الدراعة والتحف المطرف.

قال البحتري: فتعديت لأندره بنادرة تكون سببا لأخذ المطرف فإني على ذلك، إذ شقه المتوكل من طرفه إلى طرفه فأخذه ولفه ودفعه إلى خادم فتيحة، وقال: قل لها احتفظي بهذا المطرف عندك ليكون كفنا لي عند وفاتي.

قال: فقلت في نفسي: إنا لله وإنا إليه راجعون، انقضت والله المدة، وسكر المتوكل سكرا شديدا، وكان من عادته أنه إذاتمايل عند سكره أن يقيمه الخدم الذين عند رأسه، قال: فبينا نحن كذلك وقد مضى نحو ثلاث ساعات من الليل، إذ أقبل ياعز ومعه عشرة نفر من الأتراك وهو متلثمون والسيوف في أيديهم تبرق في ضوء تلك الشمع فهجموا علينا وأقبلوا نحوالمتوكل فصعد ياعز وآخر معه من الأتراك على السرير، فصاح بهم الفتح: ويلكم مولاكم فلما رآهم الغلمان ومن كان حاضرا من الجلساء والندماء تطايروا على وجوههم ولم يبق غير الفتح.

Halaman 36