كان الحطيئة سؤولا جشعا فقدم المدينة وقد أرصدت له قريش العطايا والناس في سنة مجدبة وسخطة من خليفة فمشى أشراف أهل المدينة بعضهم إلى بعض فقالوا قد قدم علينا هذا الرجل وهو شاعر والشاعر يظن فيحقق وهو يأتي الرجل من أشرافكم يسأله فإن أعطاه جهد نفسه بهرها وإن حرمه هجاه فأجمع رأيهم على أن يجعلوا له شيئا معدا يجمعونه بينهم له فكان أهل البيت من قريش والأنصار يجمعون له العشرة والعشرين والثلاثين دينارا حتى جمعوا له اربعمائة دينار وظنوا أنهم قد أغنوه فأتوه فقالوا له هذه صلة آل فلان وهذه صلة آل فلان وهذه صلة فلان فأخذها فظنوا أنهم قد كفوه عن المسألة فإذا هو يوم الجمعة وقد استقبل الإمام مائلا ينادي من يحملني على بغلين وقاه الله كبة جهنم
ووصف أبو عبيدة ومحمد بن سلام شعر الحطيئة فجمعت متفرق ما وصفاه به في هذا الخبر أخبرنا به أبو خليفة عن محمد بن سلام وابن دريد عن أبي حاتم عن أبي عبيدة قالا
كان الحطيئة متين الشعر شرود القافية وكان دنيء النفس وما تشاء أن تطعن في شعر شاعر إلا وجدت فيه مطعنا وما أقل ما تجد ذلك في شعره
قالا فبلغ من دناءة نفسه أنه أتى كعب بن زهير وكان الحطيئة راوية زهير وآل زهير فقال له قد علمت روايتي لكم أهل البيت وانقطاعي إليكم وقد ذهب الفحول غيري وغيرك فلو قلت شعرا تذكر فيه نفسك وتضعني موضعا بعدك وقال أبو عبيدة تبدأ بنفسك فيه ثم تثني بي فإن الناس لأشعاركم أروى وإليها أسرع فقال كعب
( فمن للقوافي شانها من يحوكها
إذا ما ثوى كعب وفوز جرول )
( كفيتك لا تلقى من الناس واحدا
تنخل منها مثل ما نتنخل )
( نقول فلا نعيا بشيء نقوله
ومن قائليها من يسيء ويجمل )
Halaman 157