Kitab Adab al-Tabib
كتاب أدب الطبيب
Genre-genre
فلنعد الآن إلى غرضنا فنقول: إن المريض إذا عاده عائد، فليس يجب أن يجيبه عن كل سؤال يسأله، كما لا يجب أن يجيب كل مسائل عن كل سؤال. وذلك أن من سأل عن مسألة هى محال، فإنه لا جواب له غير إفساد السؤال. ومثال ذلك سائل سأل طبيبا: لم صارت حمى الغب الخالصة تحدث عن عفن البلغم؟ أو لم صارت الحمى النائبة فى كل يوم تحدث عن عفن الصفراء؟ أو لم صارت حمى سوبوخس تحدث عن عفن السوداء؟ وأمثال هذه من المسائل المحالات. فإن الطبيب، إذا سمع هذه، وأمثالها، وعلم أنها محالات لا تستحق أجوبة، فإنه على المكان يعلم المسائل أنه قد سأل عما لا حقيقة له، وسقط جوابه. وكذلك أيضا ما ورد من المسائل فى غير موضعه ، لم يلزم المسؤول الجواب عنه.
ولأن مواضع المسائل تختلف، بحسب اختلاف السائل والمسؤول فى أغراضهما، ومواضعهما من العلم، وبحسب المكان، والزمان، ومرتبة السؤال فى جنسه، ونوعه، وشخصه، فلذلك يجب تفقد وضعها. ولما كان التمثيل على جميع ذلك، وتقصى شرحه، قد أتى عليه أهل الجدل — وقد ذكرت أصوله فى المدخل الذى ألفته للمبتدئين بعلم الجدل، ولا يمكننا إحضار الأمثلة على صنف صنف منها، لئلا نبعد من غرضنا، وقصدنا — فلذلك نكتفى بما لوحنا به فقط.
لكن ليكون ما قلنا هاهنا أوضح، فنحن نمثل على ذلك بأمر مشهور بين أهل الأدب، وهو أن الملوك تستثقل من عامتها، وحاشيتها، مساءلتهم لهم عن أحوالهم. وأثقل من ذلك على الملوك، تكلفهم الجواب عن ذلك. وإنما صار ذلك ثقيلا على الملك، لعلمه بأن السؤال له فى غير موضعه، إذ كان الملك يعلم أن السائل له عن حاله — وهو غير قادر على نفعه فى حفظ حالاته االمحمودة، أو إصلاح المذمومة — لا وجه لسؤاله. فلذلك، وما أشبهه، وجب ألا يجيب المريض عواده عن كل سؤال يسألونه 〈إياه〉، ولا يشرح حال مرضه، ولا شيئا من شكاويه، إلا لطبيبه، لأنه لا يرجو دفع ضرر، ولا اجتلاب نفع، إلا من جهته. وكذلك يجب أن يفعل خدم المريض، وأهله.
ولذلك ينبغى للمريض، إن أحس من نفسه باضطراب، وخشى سوء تمييزه، أن يوصى خدمه بكتمان حالاته، إلا عن طبيبه، لأن كشفها لمن لا يعلم حالات مرضه، ومع ما قدمت ذكره من عادات العواد، والعوام من الناس، التى قد جرت بغير احتشام، وهى مبادرة كل واحد منهم بوصف دواء وتدبير، يفسد على الطبيب تدبيره، وكثيرا ما يضر بالمريض، وربما كان ذلك سبب هلاكه.
وإذا كان الأمر على ما وصفناه، فقد ينبغى للأصحاء أن يتيقظوا لما قلناه، ويكون منهم ببال، ويتقدموا به إلى أهلهم، وخدمهم، لتكون الوصية بذلك عتيدة لديهم، ومعلومة عندهم، لوقت المرض.
ولأن من الأمراض أمراضا، لا يصلح للمريض فيها استماع الكلام الكثير، كالصداع، والشقيقة، ونظائرهما من أمراض الدماغ، وكالإسهال، وما ماثله، فلذلك ينبغى للمريض، وأهله، أن ينفردوا بالموضع، لتدبيره، وأن لا يتشاغلوا عن تدبيره بمخاطبة عواده، إذ كانت أوقات عيادة العواد، هى بعينها أوقات تدبير المريض، وخاصة فى أدويته، ومشروباته. ويجب أن لا يكتموا الطبيب حادثة من الحوادث، كبرت أم صغرت، حسنت أم قبحت، كما يجب أن لا يكشفوا ذلك لغير طبيبه.
Halaman 117