Ādāb al-Mulūk
آداب الملوك
(1) بسم الله الرحمن الرحيم وبه الثقة، رب تمم بفضلك وكرمك.
مقدمة الحمد لله الذي أخلص أهل الخالصة للدار، وأطلعهم على حقائق الأسرار، وحفظ عليهم أحكام الأذكار، وأفرهم عن التعلق بالأغيار، ورش عليهم رشيش الأنوار، فنبههم لحقائق الآثار، وشرح صدورهم لتوحيد الواحد القهار، وأنطق ألسنتهم بمناجاة العزيز الغفار، ثم رسمهم بأهل الولاية والأبرار، وجعلهم حجة على آهل الدار، واصطفاهم واختارهم بعد الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - فخصهم من البرية بالاسم الشريف، والمعنى اللطيف، وتلك الصمديقية التي ظهرت معانيها وأحكامها وشرائعها وحقائقها، ظاهرها وباطنها، في القضاء، الفقراء الموسومين بالتصوف.
والصديقية ما ذكرها الله عز وجل بعد نبوة النبي ، فقال : (( فأولئك مع الذين أتعم الله عليهم من النبيين والصديقين} ، والصديقية اسم لجميع معاني أهل الحقائق من 12 المرتسمين بالتصوف، فذلك اسم أظهره الله في أمة أحمد صلوات الله عليه وسلامه إذ هو المختار من الأنبياء المنتجبين من البرية بأسرها، المختار أمته على سائر الأمم صلى عليه ح أفضل صلاة وأنماها وأقضاها لما فرض من ذكره وأوجب من حقه وعلى 15 آله الطيبين الطاهرين وسلم .
ثما إني نظرت في سنن أهل العلم وأحكامهم واختلافهم في الرسوم وتفاوت قصدهم ، فرايت العلم ذا شجون وفنون، ولكل فن من ذلك أهل اختصوا بمعنى من العلوم، ثم 18 9) وتلك : وذلك ض11) فأولئك مع : أولئك ص 75 66, 2r15660 هd22 112:176/2 5) ورش عليم.0.، قارن مسند أحمد ين حنبل 15671 11) -12) القرآن الكريم 69/4.
ن ب
Halaman 1
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقاثق التصوف انهم وإن اختلفوا في القصد وتفرقوا في الطرق فالحق يجمعهم على معنى واحد وأصل واحد، وكل واحد منهم قد تعلق بفرع يؤديه إلى الأصل، وإنما اختلاف العلوم من 3 كثرتها وعزازتها لأن العلم عزيز يعز أهله في الدنيا والآخرة، فمن تعلق بعز الدنيا وركن إليها وإلى بهجة شهواتها صار ذلك ثواب علمه = في عاجله، ومن تعلق بعز الأخرة واشتاق إليها وتذلل في الدنيا وزهد فيها صار ذلك ح ثواب علمه في آجلهح، وذلك عز 6 لا ينفد وتعيم لا يزول.
ثم لكل علم من ذلك حقيقة فمن... (4) علمه عليه حجة، ومن تحقق به صار علما في الدنيا والآخرة، وذلك ثواب علمه وحقيقة تحقيقه.
فأول من أبتدئ بهم من أهل العلم الفقهاء : وهم أئمة الدين ، الحاكمون على الدماء والفروج، المفتون بحقيقة أحكام الله تعالى في خلقه، اشتغلوا بها وأحكموها وذلك أصلهم، وفي ذلك مواجيدهم.
12 ومنهم أصحاب الحديث: وهم الثقات في معانيهم، الحافظون لألفاظ نبيهم صلوات الله وسلامه عليه - المؤدون عنه آثاره، وهم ورثة الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين- صححوا الشرائع، وحفظوا الرسوم، وقيدوا الأصول، واشتغلوا بها 15 وأحكموها، وذلك أصلهم وفي ذلك مواجيدهم.
ومنهم القراء: تحفظوا القرآن، وتعلقوا بكلام الرحمن، فدرسوه وعرفوا أحكامه وحروفه وقراءته ووقوفه ولغاته، واشتغلوا بها وأحكموها، وذلك أصلهم وفي ذلك 18 مواجيدهم ومنهم المفسرون : العارفون بمعاني القرآن وتفسيره، يعرفون الناسخ والمتسوخ، والمحكم والمتشابه، ويظهرون للناس حقائق خفيات الآيات، وبهم ينتفع الناس، اشتغلوا بها 21 واحكموها، وذلك أصلهم وفي ذلك مواجيدهم.
ال ومنهم أهل اللغة والآداب والنحو: قوموا الفاظ العلم وعرفوا الاشتقاقات والمعاني، وصححوا الاعراب، وأخرجوا المعاني، وجميع أهل العلوم غير مستغنين عنهم لتبيين 24 الرسوم وتحقيق المعاني، اشتغلوا بذلك وأحكموها، وذلك أصلهم وفي ذلك مواجيدهم.
فجميع أهل العلوم وإن اجتمعوا في الأصل فقد افترقوا في الرسوم ، ولكل واحد منهم نسبة غير ماح للآخر، وكان ذلك ملكا وشريعة وطريقا إلى الله عز وجل، تختلف في 26) ملكا: ملك ص [طريقا : طريق ص.
ن ب
Halaman 2
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوف الرسوم وتجتمع في المعاني، تعلق كل واحد منهم بنسبه في علمه وانفرد بمعناه عن غيره، وكلهم قد خصوا بمعنى من العلم دون الآخر، فصار ذلك سيرته وهو الغالب عليه وذلك مقصده: ثم رأيت جميع أهل العلوم قد قصر كل واحد منهم عن استعمال علمه ورضي بتعلمه ودرسه ونسي حقائق واجبه.
فرأ= يت = (3) عامة الفقهاء تعلقوا برخص العلم، فجمعوا المال وتعرضوا للرياسة واتبعوا الشهوات، فرغبوا في الدنيا وغفلوا عن حقائق الفقه، إذ يقول المصطفى صلوات الله عليه وسلامه - : إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين وزهده في الدنيا وعرفه عيوب نفسه ، فأبان - صلوات الله عليه وسلامه - أن التفقه تفقد عيوب النفس وتعرف حقائق خفيها ودقائق أحكامها وأسباب هواها، وقد روي عن الحسن البضري - رحمة الله عليه - أنه قيل له : إنك لتحدثنا أشياء ما نسمع من فقهائنا ، فقال : ويحكم وهل رأيتم فقيها قط؟ إنما الفقيه الزاهد عن الدنيا الراغب عن الآخرة البصير بدينه 12 الدائم في العبادة المشتاق إلى لقاء الله تعالى.
والعالم عالمان: عالم الدنيا وعالم الآخرة، فأما عالم الدنيا فهو يصير بالقال والقيل، وأما عالم الآخرة فهو من تفكر في القرآن، فأحل حلاله وحرم حرامه وعمل بمحكمه وآمن بمتشابهه، وتفكر في آياته فأسهر ليله وأظما نهاره ، واشتاق إلى لقاء ريه عز وجل، فهذه حقائق الفقه تحقق بها قليل من الفقهاء أو تورعوا عن غيرها، فأدوا حق العلم بالامساك عن الدنيا والرضى باليلغة، فأولئك الفقهاء حقا، والباقون علومهم حجة عليهم ثم رأيت أصحاب الحديث : رضوا من العلوم بدرسها، ومن الأحكام بكتبها، فتعلقوا بالرواية والدراية والكتب، حتى إن بعضهم ليجمع كثيرا من العلم ويكتب كثيرا من الأخبار، فلا يستعمل من ذلك حديثا، قد رضي من نفسه بدرسه وتعلمه، وغفل عن استعماله، فصده الشغل بكتب ذلك عن كثير من الفرائض، وقد قال شعبة : إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن قراءة القرآن وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟ ثم قليل منهم كتبوا العلم فاشتغلوا باستعماله فصاروا آئمة في الدين وسراجا يستضيء به سائر )9) العجم الفهرس */190.
11)- 13) حلية الأولياء 147/2، اللمع 17، 13 .
ن ب ن
Halaman 3
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوف الناس، فأولئك ورثة الأنبياء حقا، والباقون علومهم حجة عليهم.
ثم رأيت القراء تحفظوا القرآن فتفاخر بعضهم على بعض، ولم يشتغلوا (4) بتعرف 3 معانيه واستعمال ما فيه، فأكلوا به الدنيا وأحكموا ذلك ليقال : فلان قارئ حسن القراءة، فزينوا أصواتهم بذلك ونادوا في محاربهم، ورققوا طباعهم للسامعين، فنالوا بذلك الدنيا ، وطلبوها بقراءة القرآن، وقد قال النبي } : اكثر منافقي أمتي قراؤها .
ثم قليل منهم تعلقوا به آناء الليل والنهار، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه واشتغلوا بقراءته سرا وجهرا ، فقرؤوا لأنفسهم واستمعوا وأصغوا إلى حقائق ما فيه من الآمر والنهي والوعد والوعيد، فأولئك أهل الله وخاصته، والباقون القرآن حجة عليهم، وخصمهم يوم القيامة.
ثما رأيت المفسرين العارفين بمعاني القرآن، تعلموا ذلك وتوسلوا إلى السلاطين وأخذوا به عرض الدنيا، فوافقوا أهل الأهواء في المتشابهات، فلم يظهروا حقائق معاني القرآن خوفا من فضيحتهم إذ القرآن زاجرهم عما ارتسموا به.
2 وقليل منهم زهدوا عن الرياسة فصاروا نفعا للخليقة، وبينوا حقائق آمر الله عز وجل، فصاروا سفراء بين الله وبين الخليقة، فأولئك العلماء حقا، والباقون القرآن حجة عليهم ووبال:.
15 ثما إيي رأيت أهل الآداب واللغة والنحو، تعلموا ذلك رياء وإعجابا، وتفاخروا، فطلبوا بذلك الدنيا وتكلموا في الدقائق وتشدقوا وتناطحوا ، وقد قال النبي : شرار أمتي الذين يغذون بالنعيم ، يأكلون ألوان الطعام ويلبسون ألوان الثياب ويتشدقون في 18 الكلام ، وذلك أنهم اتخذوا دينهم قياسا ومعقولا ، فتأولوا الآيات بآرائهم وطلبوا غرائب اللغة، فغيروا دين الله عز وجل، وأصبحوا - إلا قليل ممن عصم الله - مفتونين، وبآدابهم ومعقولهم وآرائهم فيما يؤنقهم خائضين، وعن الطريق الواضح ناكبين، ولما 21 وضعه الله عز وجل عنهم متكلفين، وعما كلفهم مغرضين، فاتخذ كل واحد منهم غلبة معقوله شريعة ومذهبا، واتخذ رأيه عبودية، فعبد هواه وما آدرك فهمه ومعقوله، فصار عن سواء الطريق مائلأ وعن غوامض ما فيه سائلا (5) وبما لا يعينه قائلا وعن حقيقة 24 الدين والشريعة راحلا، فحصل حيرة في دين الله وتقرب بمحصوله الفاسد إلى السلاطين ليأكل بذلك الدتيا ويدعي بها الرياسة، فصار آدابه ولغاته ونحوه عطبه وهلاكه، وقليل 5) العجم المفهرس 526/2.
16)- 18) فيض القدير 154/4، رقم 4859.
...- . .
Halaman 4
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوف منهم تعلموا ذلك ليقوموا به الألفاظ ويعرفوا به معاني الأخبار، فصاروا علما في الدين ، يأوي إليهم جميع أهل العلوم لتحقيق علومهم وتصحيح الفاظهم، ثم الباقون منهم في ريبهم يترددون وفي طغيانهم يعمهون.
فهذه سيرة جماعة أهل العلم وأحكامهم وحقائقهم وظاهرهم ، قد افترقوا في الرسوم، وكل واحد منهم قد تعلق بظاهر من العلم وغفل عن حقائقه ، ألا ترى أنهم انفردوا عن العامة بما آظهروا من العلوم ، وأشاروا إليه من الفهوم، واختصوا من بين الناس بخصوصية العلم، وكل ذلك من علامة المباينة عن العامة لتحقيق العلم وعزه وأحكامه.
ثم إلي رايهم وقذ وافقوا العامة في طعامهم ولباسهم واتباع شهواتهم وجلوسهم وكلامهم ورغبتهم وتفاخرهم وجميع أحكامهم ، بل زادوا عليهم في المعاني والأحكام، فتنعموا في الدنيا، وجمعوا المال ، وأكلوا الحرام، وكل ذلك بالرخص والتأويلات المفسرات بآرائهم، وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي أنه قال : لا تجلسوا عند كل عالم، إلا من يدعوكم من الرغبة إلى الرهبة، ومن الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن العداوة إلى النصيحة، فكيف لا يهلك من نظر إلى رغبته وجمع ماله وهو عالم في زعمه؟ وكيف يقبل منه علمه وهو يزهد عن الدنيا ولا يزهد هو؟ ويرغب في الآخرة ولا يرغب هو؟ وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه آته قال : يكون في آخر الزمان علماء يزهدون في الدنيا ولا يزهدون، ويرغبون في الآخرة ولا يرغبون، يقربون الأغنياء ويبعدون الفقراء، ويقبضون عند الحقراء ويبسطون عتد الكبراء: أولئك الجبارون أعداء الرحمن: 18 (9) وقد كان العلماء بخلافهم قبل ذلك : زاهدين راغيين معاملين لله عز وجل محزونين مغمومين متفكرين مشغولين آناء الليل والنهار بحقيقة رعاية العلم واستعماله، وقد روي عن الحسن أنه قال : إن الرجل كان ليطلب العلم ثم لم يلبث آن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده.
ثم إني رأيت علماء العصر ونظرت إلى رسومهم وأحكامهم فرأيت ظواهرهم مخالفة للأثر ، فأول ذلك نظرت إلى لباسهم ، فكان مخالفا للسنة من طول الأكمام والذيول ورقة الثياب كأته لباس الخيلاء، وقد قال الفضيل بن عياض - رحمة الله عليه -: لكثير من علمائكم زيه آشبه بزي كسرى وقيصر.
24) للأثر: الأثرض.
... .
Halaman 5
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوف ثم إيي رأيت طعامهم من شتات الألوان، ورأيت جلوسهم مع الأغنياء لطلب الرياسة، ورأيت إعراضهم عن الفقراء، ورأيت سعيهم في طلب الدنيا الدنية وشهواتها 3 الردية، ورأيت غلبات أوقاتهم جمع المال والغض عن شبهاتها، فلما رآيت ذلك تفقدت كثيرا من أحكامهم وأسبابهم ، فرأيتها مخالفة للعلم من الرغبة في الدنيا وحبها وجمعها، وقد قيل في الخبر: حب الدنيا راس كل خطيئة.
6 وقليل من علماء العصر تعلقوا بالعلم وأحكموه واشتغلوا باستعما له وتورعوا عن الشبهات ورضوا بالبلغة وتمسكوا بالسنة ، فلزموا الزوايا من الأرض، والأطوار من البلاد ، فباعدوا الأغنياء وقربوا الفقراء وواصلوهم لغربتهم وغربة أهل الحق في الوقت والزمن، فهم بقية العلماء وهم قليلون، وسائرهم ممن يدعون كثيرا من العلوم، اشتغلوا بالحفظ والرسم، فتقربوا به إلى السلاطين، فأكلوا بذلك الحرام، فصار سبب هلاكهم حب الدنيا والرياسة فنظرت فإذا جميع آفات العلماء من ذلك .
12 ثما إني جمعت فهمي ومددت طرفي وميزت بعلمي وفهمي واجتهدت في استنباطي وقايست بعقلي، وقابلت الكتاب والسنة على مبلغ علمي فلم آر أقواما امسك بالسنة ظاهرا وباطنا وسرا وجهرا وعقدا ونية واستعمالا من العصابة المترسمة باسم التصوف، 15 فتحققت (7) جميع آحكامهم، ظاهرهم وباطنهم، فوجدت جميع ذلك موافقا للكتاب والسنة، وذلك لأهل الحقيقة منهم الذين استحقوا الاسم الشريف والمعنى اللطيف، وسأبين حقائقهم من الكتاب والسنة، والله الموقق للصواب وإليه المرجع 18 والمآب: ثم لما رأيت سائر أهل المذاهب من أهل العلوم من الفقهاء وأصحاب الحديث وأهل القرآن والآداب قد سئلوا عن أقاويلهم في أصوهم وحجتهم فيما أقاموا على 21 اعتقاده، فاحتج كل واحد منهم عن أصله، وآبان عن طريقه ومقصده، فرأيت العصابة المرتسمة بالتصوف، متنقصين مذمومين، جاهلين عند أهل النظر وأكثر الناس، لما لم يظهر فيهم من أحوالهم، وخفي عنهم من حقائق آسرارهم، وحجب عنهم من 24 ظواهر آثارهم، رسمت كتابي هذا، فبينت فيه أصول القوم ورسومهم وأحكامهم وحقائقهم ورعايتهم وإشاراتهم وجميع أسبابهم الموافقة لسنة نبيهم ع، وترجمته 4) مخالفة: مخالفا ص 12) طرفي: بطرفي ص.
ن ب..
Halaman 6
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوف بأدب الملوك ، لأن الصوفية زهدوا عن جميع أسباب الدنيا فصاروا ملوكا، واستراحوا وطابت قلوبهم ونفوسهم ، وكيف لا يستحقون اسم الملوكئة وليس لهم همة غير الله عز وجل، قد رضوا من الدنيا بالدون فتراهم شعثا وغبرا تشهد البذاذة في ظواهرهم كأنهم مجانين وقد خولطوا، ولقد خالط القوم آمر عجيب وما هم بمجانين، فلقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة حين يقول - عليه الصلاة والسلام - : من سأل عني وسره آن ينظر إلي فلينظر إلى آشعث شاحب مشمر لم يضع لبنة على لبنة ، ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه اليوم المضمار وغذا السبق، والغاية الجنة والنار، قال : وحدثنا بذلك آبو بكر بن حصان، حدثنا ابراهيم.
وكيف لا يكونون ممدوحين وقد نزعوا ثياب الخيلاء، وقطعوا عن قلوبهم مشاغيل الدنيا وآمنوا من آفاتها وغوائلها، وخرجوا من رقها، فتعلق أهل الدنيا بالدنيا فجانبوا - (8) وباللهو والافتخار والرياسة - فمالوا عنها وتعلقوا بحقائق الأمور واشتغلوا بها، فهم لا يشتغلون إلا بالحق، ولا يخافون إلا من الحق، ولا يرجون غيره، قد استراحت نفوسهم وروحت قلوبهم ، فصاروا ملوكا في الدنيا والآخرة لأنهم أحرار عن جميع الأشياء لا يعبدون شيئا غير الله ولا يخضعون إلآ له، فالأشياء كلها لهم وهم بائنون عنها، تقبل الدنيا عليهم وهم عنها معرضون، ويخدم غيرهم الدنيا وهم مخدومون، ولقد أوحي إلى الدنيا أن : اخدمي من خدمني واستخدمي من خدمك، فهم قوم الفقر زينتهم، والصبر جلبابهم، والرضا مطيتهم، والتوكل شأنهم، والله وحده جل جلاله حسبهم. قد تأدبوا بالسنة، وقاموا في السريرة بالخدمة، لحفظ حقائق 18 الحرمة ، فصاروا ملوكا في الدارين وملوكا في المتزلين وملوكا في الجنة .
ولقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي أنه قال : إن ملوك الجنة كل أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤيه له لو أقسم على الله لأبره.
فهذا وصف القوم ، والملوكية تشهد على جميع حركاتهم ومن حقائق ملوكية الصوفية أنهم وافقوا الله عز وجل في بغض الدنيا، وجذبوا أنفسهم عن رقها، وبذلوا لله عز وجل المهج، فلم يحدوا في جنب الله عز وجل لأنفسهم مقدارا، وحفظوا لله عز وجل ما 24 ) يستحقون: يستحقوا ض 16) خدومون: خدومين ص 20- 21) المعجم المفهرس 134/3.
..
Halaman 7
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوف في الطوية أسرارا ، ولقد تحقق الملوكية فيهم لأنهم لا يسمعون إلا بالله ، ولا ينظرون إلا بالله ، ولا يبطشون إلا بالله ، ولا يتحركون إلا بالله ، وقد روي عن النبي أنه قال : 3 إن الله عز وجل قال : ما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته، فإذا أحبيته كنت له سمعا وبصرا ويدا، فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش، فهذه حقيقة أهل المحبة وأحكام الصوفية في حركاتهم، ثم احواهم تعلو عن الوصف، وإشارتهم تعلو عن النعت، قد 1 استوحشوا من جميع ما استعبد أهل الغرة، واستأنسوا بالله عز وجل، فإن خافوا (9) خافوا الله، وإن رجوا رجوا الله تعالى، وإن افتقروا افتقروا إلى الله تعالى، وإن استغنوا استغنوا بالله عز وجل، وإن تعلقوا تعلقوا بالله وحده، فخالفوا في جميع أحكامهم أهل 9الدنيا، فأولئك الملوك حقا ، وكيف لا يقع عليهم اسم الملوكية وقد سمى الله عز وجل أقواما ملوكا ببعض ما وهب لهم من زينة الدنيا ونعمائها ، فقال عز وجل وجعلكم ملوكا واتاكم ما لم يوت أحدا من العالمين} ، ولقد وهب الله عز وجل للصوفية وأهل 12 الحقيقة من نعيم السر ورؤح القلب ما استغنوا به عن جميع الأملاك: ولقد حكي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال : مساكين ملوك الدتيا لو علموا ما نحن فيه لقاتلونا . وقد قال بعض الحكماء : إزهد في الدنيا تكن ملكا ، فازهد في الآخرة تكن 15 ملكا متوجا، فالملوكية في الدنيا شرط الزهد فيها، وجميع ما زهدت فيها فأنت آميرها ومالكها، وقد روي أيضا في الخبر أن الله عز وجل يقول لجنة عدن : طويى لك منازل الملوك، بعني: منازل الزهاد والأسخياء: فهذا حقيقة أحوال الملوكية شرحتها بحقائق أهل الأدب من الملوك وهم الصوفية الذين تأدبوا بالسنة ليصلحوا حقيقة الخدمة، وساشرح ما اجتمعت عليه الصوفية في الأصول والفروع بمشاهدة الآيات والآثار البينات، فإتهم أقوام استعملوا بالجهد والجحد ظاهر 21 العلوم من الفرائض، فأورثهم الله عز وجل علما من غير تعلم وهدى بغير هداية وعلامة لحقيقة الولاية، وبذلك عرفوا جميع أسباب الولاية، وتقربوا إلى الله عز وجل بالنوافل بحقيقة الطوية، وصبروا على المكاره بمخالفة النفوس ، فأقامهم الله تعالى على شرائع دينه 24 وأعمل جوارحهم بالطاعات وزينهم بالعلم وفقههم في الدين وعرفهم معايب النفوس، ثم أدبهم للخدمة لأداء حقيقة الحرمة، فتشمروا عن الأسباب الشاغلة، والعلائق القاطعة ، 43) المعبم الفهرس 529/9.
10 - 11) القرآن الكريم */20.
..
Halaman 8
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوف وانفردوا بالعلم السني، والعيش الهني، فهم بذكره يتنعمون، وبفضله (10) يفرحون، قد رضوا من الدنيا بالقلة، وجعلوا الأسباب كلها علة، وترسموا بحكم الذلة، وتعززوا بالله عز وجل، إن نطقوا نطقوا بالعلم ، وإن سكتوا سكتوا بالعلم، وإن جلسوا جلسوا بالعلم، وإن قاموا قاموا بالعلم، وإن لبسوا لبسوا بالعلم، وإن اكلوا أكلوا بالعلم، وإن تنافروا تنافروا بالعلم، وإن اجتمعوا اجتمعوا بالعلم وللعلم، وإن تفرقوا تفرقوا بالعلم، ثم سائر أخلاقهم ورسومهم موافقة للعلم، قد شغلوا جميع جوارحهم بموافقة السنة، فهم أشبه الناس بالأثر، بل هم أهل الأثر، لأن جميع أحكام أسرارهم موافقة لما وصف الله عز وجل به المؤمنين المخلصين في عزيز كتابه، لأنهم أهل القلوب الذين يعرفون أحكامها ومواريدها وخطراتها ووساوسها ولحظاتها واشاراتها وخفيات سرائرها، ويعرفون اختلاف الورود بمشاهدة الوجود، فيفرقون بنور المشاهدة بين إلهام الحق ووسوسة الشيطان، وهواجس النفوس، ثم يعرفون أحكام الدنيا باللحظات، وأحكام الآخرة بالخطرات، وأحكام الحق بالإشارات، وكل ذلك مما سبق إلى أسرارهم من الهداية، 12 فبنور الهداية عرفوا تفريق مواريد الأسرار: وقد خص الله عز وجل الصوفية بمعنى لم يخص به غيرهم ، وذلك أن الصوفية معروفة بأحوال القلوب وأنهم أصحاب القلوب، وقال عز وجل : إن في ذلك لذكرى 15 لمن كان له قلب...}، أسرارهم وعلو أحكامهم.
ثم الصوفية ارتسموا باسم مخصوص مفرد عن الأسامي، ومن حقائقهم آنهم أحكموا ظواهر العلوم واشتغلوا باستعمالها طول الليالي وبرهة الزمان، فما زالوا بالاخلاص يرتفعون في الدرجات والمقامات بتوفيق الله تعالى حتى عرفوا بحقيقة المعرفة خفيات طويات النفوس وقطعوا علائق هواجسها، وذكروا حقائق الجبروت عند إبداء أواجسها، وتفردوا حقيقة من شهي (11) ملاذ حظها، فأفناهم حقيقة مشاهدة الحق عن جميع المرسومات، ورجعوا إلى الله عز وجل خالين عما سواه، لا يؤثرون غيره ولا يختارون عليه، وكيف لا يكونون مخصوصين ولم يتركوا بينهم وبين الله سببا إلا قطعوه ، ولا شغلا الا رفعوه، انقردوا بوجدهم وأقاموا على حقيقة علمهم، فهم أهل تجريد التوحيد، 24 7) موافقة : موافق ص9) و13) مواريد: كذا، والصحيح: موارد20) أواجسها: كذا 22) خالين: خالية ض 23) يكونون: يكونوا ض.
15)-19) القران الكريم 37/50.
ن . ..
Halaman 9
============================================================
كتاب أدب الملوك في بيان حقائق التصوف الذين أشاروا إلى الحق بتجريد الهم والفناء عن الرسم ، وآثروا الله على ما سواه، وقد روي عن محاهد أنه قال : إذا وفد أهل الجنة إلى الله عز وجل وجدوا عنده أقواما على 3 الكراسي قد سبقوهم ، فيقيمون أهل الجنة ما أذن الله لهم ، ثم ينقلبون إلى ما أعد الله عز وجل لهم ثم يعودون ثانيا فيجدونهم على حالتهم، فلا يدرون آمقيمين كانوا آم غير ذلك، فكلما عادوا وجدوهم على حالهم، فقيل لمجاهد: آشهداء هؤلاء؟ قال: هؤلاء 6 أهل أثرة الله على ما سواه.
فالصوفية - صادقهم وكاذبهم - يدعون حقيقة التوحيد وترك الأسباب والاتفراد عن الأشياء، فأهل الحقائق تتبع دعاويهم حقائق وصفية من الاجتهاد واشتغال الجوارح بالطاعات وترك الشهوات وقطع العلائق والزهد في الدنيا والتورع عن جميع الحظوظ في الدنيا، فويل للمدعين الذين يشيرون إلى حقيقة التجريد ولهم اختيار والتذاذ بنفوس قائمة وأهواء بارزة، وحرام على من يشير إلى التصوف أن يسكن تحت خواطر الغيريات ، 12 ويعقد قلبه غير حب البريات، إلا أنه لا بد من الخواطر والوساوس الجارية والبشرية الموجودة ، ولكن الركون إلى غير الله مع الله شرك ، وقال أبو سعيد الخراز : لكل إنسان سبب مع الله تعالى ما خلا الصوفية، فإنهم متعلقون بمولاهم في جميع أحكامهم، وإنما 15 ذلك حقائق أسرارهم لا يظهرونه إلا في وقت الغلبات، وليس للغلبة حكم لأن ذلك وقت الحق عز وجل، فيظهر من أوليائه ما يشاء، فمن نطق بذلك بالتمييز والمعقول فإنما ذلك دعوى بلا حقيقة ، ونطق من حقيقة النفسية (12) وتمني الإنسانية ، قال الله عز 18 وجل: ، الله آذن لكم آم على الله تفترون} ، والصوفية إنما .. . على غيرها من الناس والصالحين بالقلب وأحكامه لأن الصوفية اجتمعوا على معنى واحد ، ثم افترقوا في الحقائق ورجعوا إلى الحق عز وجل من ثلاثة أوجه، كل ذلك مراجعة القلب بالمعنى... المراد 2 منه، وهم ثلاث طبقات: لما جاوزوا حدود الرياضات وعرفوا حقائق الواردات.0.
وإن سمعوا أهل القلوب والاشارات ، فالطبقة الأولى رجعوا إلى الله عز وجل بالعلم ...
أنابوا وأذعنوا لحقيقة الحق وأعرضوا بقلوبهم عن جميع الأشياء بحقيقة الصبر... النفوس 24 والجهد والطاقة، فهم راجعون إلى الله عز وجل بحقيقة الخشية وغيب المشا. قال الله 22) الأولى: الأول ض.
18) القرآن الكريم 59/10.
..
Halaman 10