Anggota dan Jiwa
الأعضاء والنفس
بسم الله الرحمن الرحيم
عونك اللهم وحدك وصلواتك على محمد وآله، الحمد لله ولي الحمد وأهله: أما ما سألت عن صفة القلب وأسمائه، وصفة الصدر وأحواله، وصفة النفس. وصفة إبليس وجنوده، وبيان سلطانه عليها وعللها وشأنها وأحوالها وبدئها، وصفة المعرفة وما في حشوها، وصفة النور ولباسه، وصفة خلق آدم ﵇ المائة خلق، وصفة جنود المعرفة، وصفة العقل ومعدنه ومجلس قضائه وأعوانه، وصفة مدائن المعرفة، وقراها وأسوارها وعُمّارها، وبيان صفة المعسكر وبيوت الدواوين وخزائن الطاعات ومعادن الحكمة وسجون النفس، وخلقة آدم، وبيان اسمه، وترجمة لا إله إلا الله، وبيان قوله: (ألستُ بربِّكم)، وتفسير اسم إبراهيم خليل الرحمن ﵇، وتفسير اسم إبليس واسم فرعون، وتفسير قوله: (الله نور السماوات والأرض) . وتفسير شجرة الزيتون، وتفسير شجرة طوبى. فهذه ثلاثة وثلاثون مسألة ولها غور بعيد لا يمكن استقصاؤها لبعد قعرها، وسنذكر منه ما يفهمه ذو اللب، فإن الفؤاد أول مدينة من مدائن النور، وللنور سبع مدائن: أولها: الفؤاد ثم الضمير ثم الغلاف ثم القلب ثم الشغاف ثم الحبَّة ثم اللباب.
فالضمير قلب الفؤاد، والغلاف قلب الضمير، والقلب قلب الغلاف، والشَّغاف قلب القلب، والحبَّة قلب الشَّغاف، واللباب قلب الحبَّة وهو معدن النور، فهذه سبع مدائن بعضها في بعض. ولكل واحدة منها باب، ولكل مفتاح، وعلى كل باب ستر، وبين كل واحد وواحد حائط، ومن وراء كل حائط خندق.
صفة الأبواب
أما باب الفؤاد فمن نور الرحمة، وأما باب الضمير فمن نور الرأفة، وأما باب الغلاف فمن نور الجود، وأما باب القلب فمن نور المجد، وأما باب الشَّغاف فمن نور العطاء، وأما باب الحبَّة فمن نور الألوهية، وأما باب اللباب فمن نور العطف، وأما نور العطف فمن نور القربة، ونور القربة من نور الشفقة، ونور الشفقة من نور الإرادة، ونور الإرادة من نور نور الإرادة وهو نور المحبة، ونور المحبة من نور المنة، وهو علم دقيق لا يمكن فحصه.
صفة الستور
فأما ستر الفؤاد فالجمال، وأما ستر باب الضمير فالجلال، وأما ستر باب الغلاف، فالسلطان، وأما ستر باب القلب فالهيبة، وأما ستر باب الشُّغاف فالقدرة، وأما ستر باب الحبَّة فالعظمة، وأما ستر باب اللباب فالحياء، والحياء من ستر الملك.
صفة المفاتيح
فأما مفتاح باب الفؤاد فالإقرار، وأما مفتاح باب الضمير فالتوحيد، وأما مفتاح باب الغلاف فالإيمان، وأما مفتاح باب القلب فالإسلام، وأما مفتاح باب الشُّغاف فالإخلاص، وأما مفتاح باب الحبَّة فالصدق، وأما مفتاح باب اللباب فالمعرفة.
صفة الصدر
فأما الصدر فإنه مصدر الأمر ومعدن المشورة والقضاء ومجلس الملك وهو العقل، وهو ربض المدينة وما والاها.
وللمدينة فيه أربعة أبواب؛ شارعة إليه وهو ميدان عظيم ومجلس بهي فيه قناديل الرحمة، ومصابيح النور تزهو فيه من النور الذي في القلب، وشموع لواحة تبرق بضوئها ونورها، من ذلك ما روى محمد بن مروان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس وما روى الربيع عن أُبَي بن كعب في قوله ﷿: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة)، قال المصباح النور والزجاجة القلب والمشكاة الصدر، فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء فكذلك أضاء الصدر ثم نزل الضوء من الكوَّة وهي المشكاة، فكذلك نزل النور من الصدر فأضاء الجوف كله وهو النفس، وقال (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله)، وفيه معادن ودرجات ومحاصل من قوله: (وحصل ما في الصدور) وفيه ساحة لطي الملك ومعسكره، وموضع قضائه، وتزيين العمال، ومحشد الجيوش، وبحث الجنود وستور الرحمة، وله سبع حيطان وسبع خنادق.
صفة الحيطان والخنادق
فأما حيطانه فله سبعة حيطان حوله ما بين كل حائطين منها خندق، فأما الحائط الأول وهو الذي بينه وبين النفس فهو الاستعاذة، والثاني: من الذكر، والثالث: من الاستنصار، والرابع: الاستغاثة، والخامس: المجاهدة، والسادس: من التوكل، والسابع: من التسليم.
وأما خنادقه: فالظفر، والذكر، والعون، والنصرة، والهداية، والحسبية، والنجاة.
تفسير الخندق
1 / 1
فأما الظفر، فهو خندق الاستعاذة من قول الله ﷿: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون)، فوعد على الاستعاذة حيث قال: (ليس له سلطان على الذين آمنوا)، سلب سلطان العدو، وسمي المستعيذ مؤمنا، وسمِّي المؤمن متوكلا حيث قال: (وعلى ربهم يتوكلون)، ثم وصف سلطانه، فقال: (إنما سلطانه على الذين يتولونه) .
وأما الذكر: فإنه خندق الذكر من قول الله جل وعز: (فاذكروني أذكركم)، فوعد على ذكرك له ذكره لك، ثم قال: (ولذكر الله أكبر)، جلل ذكره وعظمه من أن تناله أحد كما هو له أهل، وقيل في الحكمة، ذكر العبد بين ذكر الربّ بذكره الربّ بالرحمة، فبذكره العبد من ذكره له بالثناء والحمد والعبودة، فبذكره الرب بالتوبة والشكر والمغفرة والقبول، فذكر الله حرز وثيق وحصن حصين.
وأما العون: وهو التوفيق فإنه خندق الاستعانة إذ أمر بذلك في أم الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم، وشرط لعبده على نفسه أن نصفه له ونصفه لعبده وأن لعبده ما سأله فقال: قل، (إياك نعبد وإياك نستعين) ثم قال: (واستعينوا بالصبر والصلاة)، فشهد لمن استعان به بالخشوع، واليقين بلقائه، والرجوع إليه عند البعث، فقال: (إنها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون)، ثم قال: (أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة)، ثم شهد في الآية بالهداية لمن استعان به فقال: (أولئك هم المهتدون) .
وأما النصر: فإنه خندق الاستنصار من قوله جل وعز: (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) فوعد النصر على حد الاستنصار حيث قال: (فقد جاءكم الفتح)، ثم قال: (إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) .
وأما الهداية: فإنه خندق الجهاد في قوله: (وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين) الآية فأمر بالجهاد حق الجهاد ثم بين لهم منزلتهم عنده وخصوصيتهم، فقال مبرزا لمنته عليهم طالبا لشكره منهم هو اجتباكم، فأنتم أهل جبايتي جبيتكم من بين خلقي، فأنتم عبادي المجتبون ثم برهم وألطفهم وأظهر لهم العذر وبين الحجج فإنه لم يحملهم إلا ما يطيقون، فقال: (وما جعل عليكم في الدين من حرج)، ثم نسب ملتهم إلى خليله إبراهيم يحرضهم عليها، فقال: (ملة أبيكم إبراهيم)، وشهد لهم بالنبوة لإبراهيم ﵇، أي كأنه إذًا هم من نفسه، أي بكرامة الآباء ألحق بهم الأولاد وأحفظ لهم وأتعدهم، من ذلك قوله: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم)، ومن قوله: (وكان أبوهما صالحا)، أي فإني إنما حفظت كنزهم تحت ذلك الجدار وعينت خليلي الخضر لإقامته بسبب صلاح أبيها، ثم قال: (رحمة من ربك فإن رحمتي قريب من المحسنين)، ثم قال: (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين)، فوعد على الجهاد الهداية لسبله لا لسبيل واحد ثم شهد له بالإحسان ونصره بمعيته.
رجعنا إلى ما كنا فيه، فقال: (هو سماكم المسلمين)، فشهد لهم بالإسلام ونسب تلك التسمية إلى خليله إبراهيم أي أنه أبوكم ومن أحق بتسمية الأولاد من الآباء بودّ خليله وملته إليهم، ثم قال: (وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس)، حيث تجحد الأمم تبليغ رسل الله إليهم الكتب، وحجج الله، ثم ذكره في آخره: (واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير)، حيث يتولى أموركم الكافر والمسلم وينصركم إذا استنصرتوه ويرضى اليسير ويشكر الكثير ويكرم المطيع ويرحم العاصي ويقبل التوبة والحسنة ويضاعفها، ويحط السيئة ويبدلها ويرفع الدرجة ويقبل العترة.
أما الحسبية: فإنه خندق التوكل في قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)، ومن قوله: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)، فشهد على المؤمن بالتوكل.
1 / 2
وأما النجاة: فإنه خندق التسليم حيث ذكر من شأن إبراهيم وابنه ﵈، فقال: (فلما أسلما وتلَّه للجبين وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا) . ثم قال: (وفديناه بذبح عظيم)، (ونجيناه من الغم)، ثم وعد بمن فعل فعله بأن يعامله معاملته، فقال: (وكذلك ننجي المؤمنين)، ثم شهد له بالإيمان وسماه عبده، فقال: (إنه من عبادنا المؤمنين)، ثم قال: (إنا كذلك نجزي المحسنين)، والإحسان هاهنا الإخلاص أي اختلس نفسه من نفسه ووفاء لربه بما أمره به وتوكل عليه.
باب صفة الأبواب
التي على الصدر والبوابين
فالصدر له بابان شارعان إلى النفس، باب الأمر وباب النهي وبواباهما المشيئة والقدرة، وعليهما ستران من الجبروت والملكوت وعلى البوابين لباسان من نور الوحدانية والإلوهية حشوهما الرأفة واللطف والعطف والرحمة قد نسجهما بنور السلطان والعظمة والهيبة والكبرياء.
باب صفة أساس الحيطان
فإن أساس الحيطان على سبعة أشياء على الشكر والرضا والصبر والإخلاص والنية والقبول والإقرار.
باب المرمة والتعاهد
فأما استصلاح الحيطان ومرمتها وقوامها كي لا تنقض فتنهار أو تصيبها آفة من ثقب أو ثلمة، أو نقص فثمانية أشياء وهي التهليل والتحميد والتكبير والتمجيد والاستسلام والتسبيح والاستغفار والصلاة على النبي ﷺ.
باب صفة النفس وما فيها
فإن النفس، نفسان: نفس ظاهرة، ونفس باطنة.
فأما الباطنة؛ فهي المذمومة، وأما الظاهرة فهي متابعة لمن قادها وغلب عليها واستولاها من ذلك قول الله جل وعزّ عما يحكي عن شهادة يوسف ﵇ بالسوء فقال: "وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء".
وقوله: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون)، فإنما تجادل في النفس الظاهرة النفس الباطنة، فقوله: (فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي) . وقوله: (تعلم ما في نفسي)، فهذه صفة النفس الباطنة
وأما صفة النفس الظاهرة
فأنها تابعة لمن غلب عليها، "فإن غلب عليها" الملك وهو النور والعقل كانت تابعة لهما فإن غلب عليها النفس الباطنة انقادت لها فمن قوله: (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا) لغلبة الملك عليها (وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه)، أي نفس الشيطان وذلك أن هذه النفس الباطنة نفس الشيطان ولها شأن نصفه في موضعه إن شاء الله، وقوله: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من ذكاها)، أي زكى، أي أصلح النفس الباطنة لتصلح النفس الظاهرة بصلاحها، ومنه قوله تعالى: (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية)، وإنما قال المطمئنة لأن الباطنة إذا قمعت وسجنت ووقى شُحها، ضعفت وخمدت نيرانها، سكنت الظاهرة واطمأنت من إساءتها لها ووقعت في راحة، ألا ترى إلى قوله تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون)، فهاتان نفسان ظاهرة وباطنة كما وصفنا من شأنهما، وهما مدينتان عظيمتان، "وبينهما تفاوت وتفاضل" وهما خارجان من ثلل الحيطان والخنادق التي وصفنا وفيه أشياء ما لا يقدر وصفه مخافة طول الكتاب.
صفة النفس الباطنة
1 / 3
فأما صفة النفس الباطنة، فغن جوهرها من أخس التراب وأدناه وأخبثة وذلك أنها من موضع موطئ إبليس ومرتكضه ومتخطاه وممشاه إذ كان فيها ملك ورئيس في زي الملائكة مع ذلك الملأ فأصابها شؤم كفره لمواطئه عليها أياما في دهره مع الشرك الذي كان فيه والكفر والتكبر إذ وصفه الله بالكفر وهو في لباس التوحيد فشهد عليه بالكفر فأبطل ما أظهر من دينه بما كان في باطنه وضميره من الجبلة عليه يوم خلقه فقال: (وكان من الكافرين)، فلما خلق آدم من تراب وجهه جميع الأرض أسودها وأحمرها خبيثها وطيبها سهلها وجبلها امتزج التراب والموطئ والخطى بالأخرى فلما خلقه صار خلقة آدم ﵇ على موطئه وخطاه وصار الموطئ أخبث وأردأ من الخطوه "وسنصفه في موضعه إن شاء الله" فصارت تلك التربة جوهر خلقة النفس، نفس آدم جبلة عليها ومنها، وصارت أس النفس وقاعدتها، فلما فرغ منها وضعه تحت العرش فمر عليه إبليس وهو في زي الملائكة. فقال لهم: أرأيتم أن أمركم الله بأمر أفتطيعونه! قالوا: نعم، قال: فأنا لا أطيعه!! وذلك أنه نظر في أصل خلقته فعرف أنه خلق من ذاك التراب فتهاون به، وقال إن أمرني أن أطيعه لم أطعمه وإن لم يُطعن استنفرت المجهود في استطاعته ونصبت الحرب بيني وبينه، قالت له الملائكة: ولِمَ؟ قال: لأنه خلق من تراب موضع قدمي وموطئ خطوتي وممشاي، فلي فيه وجهان: أما أحدهما فهل يسجد الأب لابنه، والسيد لعبده، فإنه مني بمنزلة الابن أو العبد إذ خلق من مرتكض رجلي وممشاي وما مسحت به قدمي منذ ألفي سنة.
أما الوجه الآخر فإن موطئ الواطئ وخطوته كبعض جسده، فلا بد لبعض الجسد من الطاعة لبعضه، ولا بد لبعض الجسد الأدنى والأقل من الطاعة لبعض الجسد الأعلى والأكبر، فقاس بهذه الأشياء أمر الله وخلقه، فأول من قاس اللعين أبعده الله.
احتجاج إبليس
فيم احتج؟ قيل له: ما الدليل على ما احتج إبليس وما بيانه، وبيان حججه، ما هو موجود مما قصده، قال: أرى احتجاجه في ذلك من قول الله تعالى: (فقبضت قبضة من أثر الرسول)، أي كان تلك القبضة من موطئ فرس جبريل ﵇ وكان على فرس الحياة، وإنما أخذ موضع حافره لما كان فيه من الحياة، فأينما طرح من تلك القبضة أحيا كل شيء، وهو في قصة السّامري يقول: فلو لم يكن ذلك التراب من الفرس لما كان يحيا منه كل ميت ومنه قوله: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)، يقول: فإن الله يكتب للمؤمن وعلى الكافر ما قدم من خير أو شر وآثارهم؛ والآثار: أي ما تحت القدم، فيلحق الآثار بالأفعال، والآثار من الأجسام كما أن الأفعال من الأجسام، ومن قوله ﷿: (ولا يطئون موطئا يغيض الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كُتب لهم به عمل صالح)؛ كقول الله تعالى: نلحق، أي نجعل الموطئ من العمل فموضع الوطء، والموطئ من الجسد كبعضه، فكأنه يقول: لو لم يكن الموطئ من الوطئ كبعض الجسد لما جعل النيل والموطئ في الأجر سواء، فكما أن الوطء من الواطئ، كذلك موضع الوطء من الموطئ، فهذه صفة النفس الباطنة والظاهرة.
1 / 4
رجعنا إلى ما كنا فيه من شأن النفس، فالموطئ إنما هو موضع القدم وخطوته، وكان إبليس يوم وطئ تلك التربة كافرا في علم الله مطيعا في الظاهر كما وصف الله، وكان من الكافرين ومن قوله: (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) . فكما وجدنا لمقام إبراهيم ﵇ من الكرامة والمنزلة ما جعله الله قبله لمن آمن، وأمرهم بأن يتخذوه مصلى وليس هو إلا أثر قدم في حجر فوقع لقدمه من الحرمة ما إن اتخذ موضعه وأثره قبله لخلقه لا تقبل الصلاة في الآفاق إلا به، فلم تقع له هذه الحرمة إلا أنه عدّ من القدم ولحقه به، كأنه هو القدم نفسه، والقدم قد زال عنه وأبلته أيدي اللامسين واختلاف الزائرين، فليس إلا رسم قد ذهبت عنه آثار الأصابع، فذلك لمقامي وقدمي وموطئي وآثري وخطواتي من المنزلة مني، أي أعدّه من نفسي وبعضي وعضوي، ومنه في حديث آدم ﵇ حين أُهبط إلى الأرض، في أرض عند ما يلي مطلع الشمس فجال جميع الدنيا، فما كان تحت قدمه نالته رحمته وبركته فصار مدينة وما كان بين قدمه صار قرى، وما لم يصيبه قدمه صار مفاوز، ومن ذلك فضل أهل المدينة على أهل القرى، فكما نالت تلك التربة قدمه كذلك نالت شؤمه وكفره وكبره، وكما أضيف ذلك إلى آدم ﵇، كذلك أضاف عدو الله ذلك الشؤم إلى نفسه وذلك أنه أدعى أن الشؤم والكفر والعتو كان فيه قلما نالته التربة امتزج بها وصار كالشيء الواحد ومنه سمي الخضر خضرا، لأنه أيما مشى في الأرض نالت بركته ولطفه وطيبه فاخضرَّ ما حول قدميه، وأصل الخضرة من نور الجلالة، وقوله ﷿: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) أي كونوا على الصلح الذي صولحتم عليه، وهو الحلال والحرام خُيِّر أبوكم بين الحلال والحرام، وخُيِّر العدوّ، فاختار أبوكم الحلال واختار العدوّ الحرام والفحش، واصطلحا على ذلك واصطلحت ورثة إبليس على ذلك، فاصطلحوا نتم يا بني آدم على صلح أبيكم وما قد اختار لنفسه ولكم من الطيبات، وما قد أباح لكم من خلال، (ولا تتبعوا خطوات الشيطان)، أي لا تتبعوا نفوسكم الباطنة، فإنها خُلقت من خطوات الشيطان فإن نهمتها نهمة الشيطان وما اختاره من الحرام فهذا السّلم حصن لكم وكهف فادخلوا في حصنكم وكهفكم إذ أحزنكم أمر من العدوّ (فإنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكلون)، فالسّلم حصن، والتوكل حرز وثيق وخندق قعير وبحر عميق.
وأما ما وصف في شأنه (وكان من الكافرين)، فلما وطئها نالها من شؤمه وشؤم كفره وظلمته وتمرده واستكباره الذي ظهر منه يوم السجود، فصار بهذا المعنى كعضو منه فلما لعن صارت تلك التربة ملعونة حيث كانت، نالها ذلك السخط، فلما رمى إليه الأباطيل صارت نهمة إبليس فيها ومراده من الدنيا ومطلبه ومحبوبه ومسروره ومفرحه، ونالت تلك التربة في آدم ما نال صاحبها إذ كانت قد صارت كعضو منه، فدبّر إبليس عدوّ الله وقاس فوجدها في آدم ﵇ قائمة بعينها فاستغنمها منه إذ وجد آدم ﵇ مجبولا على نهمة نفسه، أي كأنه وجد مجبولا على عضو من أعضاء إبليس، فقال جسدي لا يعصيني، كيفما كان فقوي بها عدوّ اله وفرح بما نال من الفرصة.
1 / 5
رجعنا إلى ما كنا فيه فلما أكرم الله آدم ﵇ وأبرز فضله على جميع الخلق، وأمره بالسجود فتكبر وأنف ليسجد لشيء رفع من تحت قدمه أدنى شيء وأخسه، وقال (أنا خير منه خلقتني من نار)؛ ذكر جوهره، والنار؛ من النور، والنور من العزّة، فأنا أحق أن يسجد لي، ثم ذكر جوهر آدم ﵇، فقال: (وخلقته من طين)، إن الطين من تراب والتراب ما الأرض، والأرض ممشاي وموطئي فأسجد لنفسي؛ وأسجد لتحت قدمي، وأسجد لهوائي؛ فوصف الله ذلك في التنزيل وحذر خلقه فقال: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)، أي لا تتبعوا الخطوة التي هي خلقتكم فإنها دعوة إبليس وهي تابعة صاحبها، وقال: (وما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى)، أي نهى النفس الطاهرة عن الهوى والهوى الخلقة التي خلقت عليه وهي النفس الباطنة، وإنما سمى تلك التربة نفسا لأن عدو الله ادعاها وإنما سماها هوى لأنها منتهى غلبت في النفس الظاهرة وهويت بها إلى أمها فأمها الهاوية، وذلك أن إبليس خُلق من النار وذلك قوله: (وأما من خفت موازيمه فأمه هاوية)، وقال: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)، ويقول: (اتخذ الهوى)، أي نفسه الباطنة إلهه فجعل يطيعها فيما تأمر أو تنهى، قد نصبها ربّا بين عينيه ثم شهد عليهم إنهم كالأنعام ثم ذكر بأنها أظل من الأنعام.
رجعنا إلى ما كنا فيه فلما صارت النفس الباطنة هوى إبليس وعضوا منه كما ذكرنا أطاعت إبليس بما كان يأمرها من الفحش والأباطيل والمعاصي ولم يكن للنفس الظاهر بدّ من الانقياد لها والطواعية فيما تشير فكانت تواتيها فيما يكره الله وتخضع لها إذ كان فيها من الخبث مثل ما فيها وذلك إنها من تحت القدم وهذه فيما بين القدمين الذي لم يطأها فأيّد الله عبده بما وسَّع عليها من الحلال وأباح لها وأحل وحرم؛ فنبذ الحرام والفحش إلى إبليس فرفعه ورمى الحلال والحسن إلى العقل فرفعه، فأمر بالحرام إبليس فأطاعته النفس الباطنة، فاشتهت النفس الظاهرة فأرادت أن تطيعها وتنقاد لها إذ كانت من جوهرها وإذ كانت الشهوة فيها متحركة نبذ الله إليها بالحلال فتعلقت الظاهرة بها إذ كان الغالب عليها ملكها فلم تنقذ للباطنة فعسكرت عليها الباطنة بجنود إبليس وعسكر عليها الملك وهاجت الحرب فيما بينها وهي مذبذبة بين ذلك وتلك دار الحرب لا سلم أبدا، والجوارح فيما حولها قرأها فمتى كانت الغلبة للملك اطمأنت النفس الظاهرة ورضيت بما أحل الله لها ومتى كانت الغلبة لها كانت منقادة منهوكة في الحرام.
1 / 6
رجعنا إلى ما كنا فيه من التحليل فأيّد الله النفس الظاهرة بما أحل حتى حلها من وثاق الهوى، وخلصها من سجنها، وأخرجها من رقها، فقال: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، وقال: (كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) ثم قال على فوزه (ولا تتبعوا خطوات الشيطان)، ثم بين سبب النهي فقال: (إنه لكم عدوّ مبين)، فاعلم إن خطوات الشيطان هي التي تأمرك بالسوء والفحشاء، وهي نفسك الظاهرة حتى تشتهي فأطعمها الحلال فإن الله أحل وحرم فمن انتهى عن الحرام أبدل مكانه الحلال، وقال: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) أي لم يكن لي فيما خلقت حاجة إنما خلقتها من أجلكم فخذوها من وجهها ووحيها ما أحللتُ لكم فقد جعلت الحلال بينا والحرام بينا وما حرّمت إلا الخبائث والفواحش ومما لا لذة فيه، وما أحللت إلاَّ الطيب واللذيذ فقال: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)، أي لا تطيعوا النفس الباطنة فإنها تأمركم بالفحشاء والمنكر وقال: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا)، أي من طاعتي في الحلال فإن في الحلال غنية عن الحرام، قال الله جل وعز: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون)، فأباح أكل الحلال من الطيبات واقتضى الشكر على ما أحل وأباح لا على النعمة، ثم قال: (إن كنتم إياه تعبدون) فجعل شكرك على إباحته لك الحلال عبودة وتوحيدًا، ثم اعتذر فيما حرَّم ووصف الحرام، فقال: (إنما حرَّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله)، أي إني لم أحرم عليكم إلاّ مثل هذه فلو كنت أحللت لكم مكان هذه الطيبات تلك الفواحش والحرام ما كنتم تصغون، وكيف كنتم تتأولون ذلك فاشكروني على إني أحللت لكم شهوتكم التي تشتهون وحرمت عليكم ما تتقذرون وتخبث نفوسكم إذا ذكرتموها، وقوله: (وما أهل به لغير الله)، فالذي إذا ذبح لم يذكر عليه اسمي ما يصنع به ذلك فقد اجتمع عليه سمّ الدنيا وذلك أن اسمي مبارك واسم الطاغوت والشيطان شؤم وسم، فإذا لم يذكر اسمي وذكر اسم الطاغوت والشيطان كيف يهنئ ذلك في البطون فإني إنما حرمت مثل هذه الأشياء، فقال: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)، فاقتضى الشكر أيضًا على أنه أحل لك الحرام في أوقات الضرورة وأباح لك التناول، ثم قال: (إن الله غفور رحيم)، أي لا يأخذ على ذلك التناول من الحرام رحيم من رحمته أباح لك الحرام عند الضرورة، فهذا في الدنيا، وما في الآخرة، (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)، أي نهي نفسه الباطنة عن الحرام، وأعطاها من الحلال، وقال: (لكم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين) لما انتهى عن اتباع النفس الباطنة عن الحرام؛ فهذه صفة النفس الظاهرة والباطنة.
ولها أبواب سبعة شارعة إلى الجوارح، والجوارح سبع قرى حولها، فإذا كان الملك لها أميرا عليها جاريا سلطانه كانت لها ساكنة والقرى مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فإذا كفرت بأنعم الله فأطاعت الباطن بالحرام وتركت الحلال أذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون من موافقتها لما كره الله لها.
1 / 7
وجعلنا إلى ما كنا فيه من شأن إبليس فلما أمر بالسجود تكبر فلُعن، وقيل له اخرج منها فأنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين، فأبلس وصار شيطانا رجيم أبلس من كل خير، وسلب لباس الرحمة وصار عريان آيسا من رحمة الله وفاسقا اجترا على الله، إذ قال له: خلقت خلقا أدنى مني وفضلته علي وهو ممن يعصيك ويفسد في الأرض ويسفك الدماء وأشقيتني في جنبه وهو لم يطعك طرفة عين وأنا قد عبدتك عبادة لا يصف الواصفون صفتها فما كان سبب ذلك؟ قال الله: (إني أعلم ما لا تعلمون)، قال: إذًا سلطني عليه! قال: وما تصنع، قال: أجعله عابدا لي؛ قال: هو لن يطيعك في ذلك، قال: إذًا سلطني عليه، قال: لك ذلك، قال: وهل يمكنني ذلك إلاّ بأجل والعمر الطويل، قال: ما تشاء، قال: (ربِّ فانظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم)، قال: فبعزتك لأغوينه وولده أجمعين، قال: وكان آدم ﵇ رجلا حييًا كريما لا يعرف الشر في الجنة مع زوجته يأكل منها رغدا حيث شاء فاحتال عدو الله بكل حيلة للعداوة التي كانت فيه والحقد على ما شقى في جنبه وطرد من الملكوت وغره بكل غرور حتى دخل الجنة كما هو في الحديث الطويل والقصة الطويلة ثم لما دخلها تقدم إلى أهلها بالنصح والعطف، فقال داركما هذه إن لم يكن لها خوف وموت، قالا ما هو؟ قال: هل نهاكما ربكما عن شيء؟ قال: نعم عن هذه، قال: أف وأخذ بجبينه منحازا مريئا لهما أنه يحزن لهما، قالا: ما لك؟ قال: أنا من الملائكة الذين يعلمون الغيب! قالا: وما تعلم من شأننا؟ قال: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلاّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) . ثم ألحق القسم بآخر الكلمة (إني لكما لمن الناصحين) فبما أعلمتكما من آخر شأنكما، قالا: وما الحيلة؟ قال: (هل أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى) فكلا من هذه فغرهما باسم ربهما، قال الله تعالى: (وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور) الآية فأخرجهما من الجنة فلما هبطوا إلى الأرض قال اللعين معيرا من جرأة الكفر وحرقة الحقد ألم أقل لك أنه يعصيك ويطيعني ويعبدني فمن أطاع شيئًا عبده ومن عبده صار عبده فهو عبدي وفيه لي في أصل الخلقة دعوى إذ خلقته من التراب، والتراب في الأرض، والأرض أثر قدمي وموطني وممشاي وكان بها مسكني فخلقته في ملكي وملكي وموضع قدمي وقدم الواطئ حقه في الحكم وبه عصاك إذ كان أصابه شؤمي وجرأتي وبه ظفرت عليه، قال: فما تشاء، قال: سلطني عليه، قال: اذهب فقد سلطتك عليه فاطلب منه دعواك، قال: إذًا سلطني عليه فبعزتك لأغوينه وولده أجمعين، قال الله أن لي منه عبادًا مخلصين ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتبعك من الغاوين، فقال إبليس اللعين (إلا عبادك منهم المخلصين) فاستثناء اللعين على استثناء الرب جل وعز.
باب معاينة إبليس
وسؤاله الإله جل وعز الحرب على آدم ﵇ وولده والعون والظفر
فقال يا رب إذ سلطتني عليه وشفيت صدري منه بما نبذت إليّ مما سألت فزدني قوة إلى قوتي، قال: تجري منه مجرى الدم، قال: يهزمني بذكرك، قال: قد وضعت فيه النسيان والخطأ والغفلة، قال: ويغلبني بكثرة الولد، قال: لا يولد له ولد إلاّ ولد لك مثلاه، قال: يغلبني بالقوة التي فيه، قال: اجلب عليهم بخيلك ورجالك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم إن لا جنة ولا نار، فقال: شفيت صدري منه لآتينهم من بين أيديهم الدنيا فأزينها في أعينهم ومن خلفهم فأنسيها لهم وعن أيمانهم الذنوب فأزينها وآمرهم بها وعن شمائلهم بالتوبة فأدخرها.
باب سؤال آدم ﵇
النصر والظفر على عدوه وإله الحرب وما يمنع به العدو من نفسه
1 / 8
فقال آدم صلى الله عليه سلطت علي عدوك وأيدته بقوتك فكيف أقواه، قال أحفك بملائكتي، قال: زدني، قال: لا آخذك بالخطأ والنسيان، قال: زدني، قال: لا أكتب عليك نية السيئة، قال: زدني، قال: فإن لم تعملها جعلتها حسنة، قال: زدني، قال: أكتب لك ما نويت، قال: زدني، قال: إذا عملتها كتبت بعشر أمثالها، قال: زدني، قال أزيدها سبعمائة، قال: زدني، قال: إلى أضعاف، قال: زدني، قال: إذا عملت سيئة لم تكتب عليك إلى سبع ساعات، قال: زدني، قال: رحمتي سبقت غضبي، قال: يا رب يغلبني بجنده وخيله، قال: لا يولد لك إلا وكلت به من يحفظه، وذلك قوله تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)، قال: زدني، قال: التوبة مبسوطة إن تبت أو تاب أحد من ولدك إلى سنة قبلت، وقال: زدني، قال: أرسل عليك رسلي، قال: زدني، قال: وأؤيدك بالصدق ما لم تفارقه لن يغلبك، قال: زدني، قال: أعلمك كلامي، قال: زدني، قال: جعلت الآذان وارثه لك في ولدك، قال: زدني، قال: اتخذ لك مسجدًا تزورني فيه، قال: زدني، قال: جعلت ذكري شرابا لك، قال: فما جنودي، قال: مائة خلق رأسهم وقائدهم العقل، قال: ما العقل؟ وما الجنود؟ قال: العقل ملك الملك وهو المعرفة وقائد العقل ومعدنه في الدماغ ومسكنه في الصدر وسلطانه في جميع الجسد وله مائة أعوان كل عون على أمر.
باب سؤال إبليس المدد
وإله الحرب والجنود والأعوان على آدم ﵇
ثم تقدم عدوّ الله إبليس، فقال سلطت آدم عليَّ بعد ما جعلتني مذموما مدحورًا وأشقيتني في جنبه وسلبتني خلعة الكرامة ولباس الملائكة من أجله وأعطيته إله الحرب والجنود ونصرته وقويته وقضيت الحرب بيني وبينه فما آلتي؟ وما جنودي؟ قال: ما تشاء، قال: أعطيته الكتب فما كتابي؟ قال: قال كتابك الوشم، قال: فما رسلي؟ قال: الكهنة، قال: فما حديثي؟ قال: الكذب، قال: فما قرآني؟ قال: الشعر، قال: فما مؤذني؟ قال: الغناء والمزمار، قال: فما مسجدي؟ قال: السوق، قال: فما بيتي؟ قال: الحمام والكنائس، قال فما طعامي؟ قال: ما لم يذكر عليه اسمي، قال: فما شرابي؟ قال: كل مسكر، قال: فما مصائدي؟ قال: النساء، قال: فما سلاحي؟ قال: النساء، قال: أعطيته جنودًا، فما جنودي؟ قال: من مائة خلق من أخلاق السوء، والهوى مليكهم ضد كل خلق من أخلاق آدم صلى الله عليه، قال فرضي اللعين.
باب صفة المعرفة وصفة لباسها
1 / 9
قال الله تعالى: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله)، فالقلب مضغة خلقها الله من بطانة الأرض مما لم يمسه وطء إبليس ولا خطوته لأنه كان في سابق علمه أنه معدن معرفته ومن ذلك لا يجد الشيطان عليه سبيلًا، حيث قال: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)، أي على قلوبهم، ومنه قيل القلب بيد الرحمن ومنه في الحديث أنه سأل ربه خصلة فقال ما هي يا إبليس، قال: السبيل على قلبه، قال: ذلك محرم عليك أن تدخله أو تسلط عليه، ولكن لك سبيل ومجرى من النفس في العروق إلى حد القلب وأصل العروق في النفس ورأسها في القلب، فإذا دخلت العروق وجريت فيها عرقت من ضيق المجرى فامتزج عرقك بماء الرحمة في مجرى واحد وجرى إلى القلب مع شؤمك ونفخك ونتنك وظلمتك ووصل إلى القلب سلطانك فغلبت صاحبه ومن أردت به ضرًا أو اخترته وجعلته وليًا وصديقًا ونبيًا، قلعت العروق من باطن القلب ونزعتها منه فصار القلب سليمًا فإذا دخلت العروق وجريت فيها لم ينله شؤمك ولم يصل إليه سلطانك ولا ظلمتك إذ كانت أصل العروق منقطعة من باطن القلب وصار ما بين القلب وبين أصل العروق فرجة فرضي اللعين بذلك، وقد ذكر الله تعالى في كتابه فقال: (إلاّ من أتى الله بقلب سليم)، القلب السليم الذي نزعت منه أصل العروق ثم ختم عليه، فالقلب وإن كان شريفا فإنه قد خلق مما خلقت منه النفس ولكن التفضيل مما بينهما أن النفس خلقت من أديم الأرض وظاهرها، والقلب من بطانة الأرض، والأرض خلقت من كدورة الماء وخبثه وزبده وأصلها من الماء فهي يابسة خشنة، والنور من اللطف فإذا تخلّى القلب من النور ومائه ورطوبته ولطافته، رجعت إلى جوهرها من الأرض يابسة خشنة فإذا دام بها ذلك قسا القلب أي يبس وصار إلى حالتها وجوهرها، ولما احتج إبليس بما احتج على آدم ﵇ وفضل نفسه عليه نظر في نفسه واعتبر جوهره فقال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) والنار من النور وخلقته من تراب، والتراب من الظلمة، ولم يلتفت اللعين إلى أن التراب من الطين والطين من الماء والماء حياة كل شيء، والماء يطفئ النار فلذلك احتج بما احتج.
أما أصل معرفة المعرفة ومعرفة جوهرها
1 / 10