فإن ما أبداه اللورد كرومر والسير ألدون غورست كلاهما من صحة الحكم ومضاء العزيمة في الأمور المالية، كان عظيم القيمة في توفير أسباب الخير وارتقاء البلاد في المستقبل.
لما عدت إلى مصر بعد غياب طويل عنها أثر كثيرا في نفسي أن الذين فارقتهم وهم معشر متجانس من عقلاء المسلمين المعدودين طائفة قائمة على قاعدة سنن اجتماعية ثابتة؛ قد انشقوا وانقسموا إلى فرق وأحزاب سياسية.
إن ترقية أخلاق الشعب وإعلاء سجاياه يتوقف معظمها على نمو ضبطه لنفسه وتسلطه على نزق طباعه، حتى لا يطاوع أول دافع له من نفسه، وعلى تعوده الاعتماد على نفسه بلا تطفل وفضول، وعلى ممارسة المثابرة والثبات والجلد، فجهاد الأحزاب في مناظرة بعضها البعض لا يفيد اكتساب صفة من هذه الصفات التي ينال بها التقدم.
نعم إن الاهتمام بالمسائل السياسية اهتماما مقرونا بالهدوء والتأمل نافع للهيئة الحاكمة.
وأما الاهتمام الكاذب الذي يبنى عادة على تحريف الأقوال عن مواضعها وتصوير الأمور بغير صورها، فلا خير فيه لتوسيع العقل وتربية الأخلاق في شعب من الشعوب الشرقية.
لقد عرفنا اللورد كتشنر، لأول عهده بمصر في مطلع أيام الاحتلال، مفتشا للبوليس في العاصمة يكسر «الدكك» ويقذف بالكراسي في الشوارع؛ لأن أصحاب القهوات كانوا يصفون هذه الكراسي وتلك الدكك بطريقة مخالفة للنظام ومعرقلة لحركة السير على الأرصفة.
ثم عرفناه ضابطا في المخابرات بالجيش المصري.
وأخذ يرتقي حتى صار سردارا للجيش.
وكانت أبرز حادثة له موقفه المعروف أمام سمو الخديو السابق في حلفا، محتجا على حاكم البلاد الشرعي لانتقاده الجيش، ثم كان فتحه للسودان وابتعاده عن مصر.
فعودته إلينا تلقي على أحزابنا السياسية الدروس، وتعلمهم واجباتهم بمثل الطريقة التي يكتب بها اليوم اللورد جورج لويد حذوك النعل بالنعل.
Halaman tidak diketahui