نعم إن المتوكل دبر له مكيدة فقتله، ولكن هذا لم يضعف شأن الأتراك في شيء، بل أوغر صدرهم على المتوكل.
أصبحت أمور الدولة في يد الأتراك، وأصبحوا مصدر قلق واضطراب، فهم يكرهون الفرس والعرب، وهم أنفسهم ليسوا في وفاق بعضهم مع بعض، وهم لا ينقطعون عن المؤامرات والدسائس، وتعصب كل فريق لقائد منهم، وهم كثيرو الطمع في الأموال لا يشبعون، وعلى الجملة فقد أصبحت «دار السلام» وما حولها ليست دار سلام.
لا بد أن يكون المتوكل قد شعر بهذا الجو الحائق بما يثيره الأتراك من شرور، ولا بد أن يكون قد أحس الخطر على حياته منهم، ففكر أن ينقل عاصمة الخلافة من العراق إلى دمشق، وأن يعود إلى عاصمة الأمويين لعله يجد فيها من العنصر العربي من يغنيه عن العنصر التركي؛ ففي سنة 243ه؛ أي بعد خلافته بإحدى عشرة سنة، رحل إلى دمشق، ولكنه لم يطل مقامه بها، فلم يستطب جوها كما قالوا. وهو مع هذا لم يسلم من شغب جنود الشام عليه، «فاجتمعوا وضجوا يطلبون الأعطية، ثم خرجوا إلى تجريد السلاح والرمي بالنشاب»،
17
فعاد إلى سامرا، وكان بين خروجه منها وعودته إليها ثلاثة أشهر وسبعة أيام، وبعد أربع سنوات من عودته قتله الأتراك.
لقد رأى المتوكل أن يتخلص من الأتراك ويعيد الدولة سيرتها الأولى، ولكن كان ابنه المنتصر يشايعهم، «فعزم المتوكل أن يفتك بالمنتصر، ويقتل وصيفا وبغا وغيرهما من قواد الأتراك ووجوههم»،
18
وعزموا على الفتك به؛ فكان ذلك مفترق الطرق، فإن نجح زالت دولة الأتراك وعادت غلبة الفرس، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه، ولكن شاء القدر أن ينجحوا هم، فتقدم باغر التركي حارس المتوكل ينفذ مؤامرة من القواد الأتراك على رأسهم بغا الصغير، ومعه عشرة غلمان من الأتراك وهم متلثمون والسيوف في أيديهم، وصعدوا على سرير الملك، وضرب باغر «المتوكل» بالسيف فقده إلى خاصرته، ثم ثناه على جانبه الأيسر ففعل مثل ذلك، وأقبل الفتح «بن خاقان» يمانعهم فبعجه واحد منهم بالسيف في بطنه فأخرجه من متنه، فلفا في البساط الذي قتلا فيه، وطرحا ناحية، فلم يزالا على حالتهما في ليلتهما وعامة نهارهما، حتى استقرت الخلافة للمنتصر فأمر بهما فدفنا.
كان قتل المتوكل أول حادثة اعتداء على الخلفاء العباسيين، فكل من كان قبله مات حتف أنفه «إلا الأمين فقد قتل بعد هزيمته في الحرب». ولم يكن قتل المتوكل اعتداء على المتوكل وحده، بل هو قتل لسلطان كل خليفة بعده، ولم يكن قتله بيد باغر وحده بل بيد الأتراك. وكان في قتله حياة الأتراك وسلطانهم، وإنذار عام للبيت المالك أن من أراد أن يلي الخلافة فليذعن إذعانا تاما للأتراك، ومن حدثته نفسه - من الخليفة فمن دونه - أن يناوئهم فليوطن نفسه على القتل.
وهكذا كانت هذه الحادثة مصرع الخلافة، ومجد الأتراك، فكان الخليفة بعده خاتما في أصبعهم أو أقل من ذلك، حتى قنع بالسكة والخطبة، «وصار يضرب ذلك مثلا لمن له ظاهر الأمر، وليس له من باطنه شيء، فيقال: قنع فلان من الأمر الفلاني بالسكة والخطبة، يعني قنع منه بالاسم دون الحقيقة»،
अज्ञात पृष्ठ