وكان حراس آخرون يمرون بكلابهم البوليسية، ولكن الليل لم يشهد أي أحداث باستثناء ذلك. لم يكن في تلك الليلة شيء يذكر سوى وجه الحارس الذي يحمل في جنبه بندقيته من طراز إم-16، والأضواء الكشافة مسلطة من جميع الزوايا، ساطعة على وجوه زملاء زيتون من السجناء، وقد شحب لونها وبدا عليها الإرهاق، وقاربت الخبل من الإنهاك والتشوش.
الأربعاء 7 من سبتمبر
وعندما بدت في السماء أول خيوط الفجر، أدرك زيتون أنه لم ينم على الإطلاق، كان يغمض أجفانه عدة دقائق في كل مرة، لكنه لم يجد النوم، كان قد رفض النوم على الأرض، ولكنه حتى لو أرغم نفسه على ذلك، لو تمكن من قهر الذعر الذي انتابه من هذه الحال، فقد نفى النوم عن عينيه التفكير في أهله وبيته وطنين المحرك الذي لم يتوقف.
وشاهد رحيل الحارس الليلي وحلول رجل جديد محله، كان التعبير على وجه الحارس الجديد مماثلا للتعبير على وجه الحارس السابق؛ إذ كان مثله يسلم، فيما يبدو، بأن الرجال داخل القفص مذنبون.
وتيمم زيتون وناصر وصليا، ثم جعلا يحدقان في الحارس الذي كان يحدق فيهما.
وبسطوع ضوء الصبح في السماء ازدادت حواس زيتون انتباها، بل إنه ازداد تفاؤلا ، كان يفترض أن كل يوم ينقضي على انتهاء الإعصار يقرب المدينة من الاستقرار، ويبشر بقرب إرسال الحكومة للعون، فإذا حل ذلك العون انتهت الفوضى التي أتت به إلى هذا القفص، وخفت حدة سوء التفاهم الذي يتجلى هنا.
أقنع زيتون نفسه بأن اليوم المنصرم كان يمثل شذوذا، وأن هذا اليوم سوف يأتي بالعودة إلى العقل والإجراءات القانونية، وأخذ يقول في نفسه إنه سوف يسمح له بمكالمة تليفونية وبمعرفة التهم الموجهة إليه، بل قد ينجح في مقابلة محام أو أحد القضاة، وسوف يتصل بكاثي فتقوم بتوكيل أفضل محام تجده، فتنتهي هذه الحال في غضون ساعات. •••
وأما الرجال الآخرون في القفص، الذين حظي كل منهم آخر الأمر بقسط من الراحة أثناء الليل، فقد استيقظوا، الواحد بعد الآخر، ووقفوا يتمطون، وأحضر طعام الإفطار، وكان أيضا يتكون من وجبات جاهزة، وكانت الوجبة هذه المرة شرائح من لحم فخذ الخنزير، وأكل زيتون وناصر ما أحل لهما من الوجبة وأعطيا الباقي لتود وروني.
وعندما استيقظ السجن، بدأ زيتون يفحص بدقة هيكل السلاسل من حوله، كان طوله نحو خمسين مترا، وكانت الأسلاك الشائكة جديدة، وكذلك المراحيض التي يمكن نقلها، كان السور جديدا ومن نوع ممتاز، وكان واثقا بأن ذلك كله لم يكن موجودا قبل العاصفة؛ إذ لم تستخدم محطة نيو أورلينز الاتحادية للركاب سجنا من قبل قط، وبدأ يجري حسابات تقريبية في ذهنه.
ربما كان لا بد من استعمال ست شاحنات أو نحوها لنقل مكونات هذه الأسوار كلها إلى المحطة. ولما لم يشهد أثرا للشوكات الرافعة أو الآلات الثقيلة، فقد انتهى إلى أن الأقفاص قد أنشئت بالعمل اليدوي. لا شك في أنه إنجاز باهر؛ إذ اكتمل تنفيذ هذا المشروع الإنشائي بهذه السرعة بعد العاصفة. ولكن متى نفذوه؟
अज्ञात पृष्ठ