ولما يئس الرضا من صلاحهما له، دبر في الاستعداء «5» عليهما، والانتصاف منهما، بمن يشتد بأسه، ويجد في اللقاء مراسه، فوقف به التدبير على الأمير أبي منصور سبكتكين لما توسمه فيه من أمارة الخير [54 ب] باعتكافه على غزو الهند احتسابا لثواب الله، وادخارا لكريم القربة إلى الله، فأرسل إليه أبا نصر الفارسي النائب عنه ببابه، وكتب على يده يذكر ما أعياه من الداء بمكان مولييه أبي علي وفائق، وخطبهما على دولته، وقصدهما إياه في نفسه ومملكته، واستئثارهما عليه بارتفاعات «6» حوزته، غير راجعين إلى حشمة، ولا راعيين لحق نعمة، ولا متمسكين من الحياء بعصمة. وإن الذي دهمه من أمورهما «7» قد سد عليه وجه الخلاص، وطريق الانتصاف إلا من جهته، وما يرجوه من معونته. وألطف القول في استدعائه وتطميعه في جمال ما يتكلفه من نصرة أوليائه، بفرط قوته وغنائه «1»، فصادف وصول الكتاب والرسول نفسا منه مرتاحة لإجابته، منشرحة لطاعته، تواقة إلى مقام الجمال بارتهان رضاه وموافقته.
وبادر بالعبور إلى ما وراء النهر للقاء الرضا ومشاهدته، واستماع المقصود من رأيه وإشارته. ونهض الرضا إلى ناحية كش «2» فخيم «3» بها على موعده، ووصل إليه الأمير سبكتكين فالتقيا هناك على أحسن ما سمع به في مثله من تسوية المواكب، وتعبئة الخيول والكتائب.
وقد كان الأمير سبكتكين يستعفي «4» لشيبته عن متنزل الخدمة، وملتزم الأرض [55 أ] على رسم الطاعة، فأعفي عنه اكتفاء بصدق العناية والرعاية منه حتى إذا اختلطت الخيول وامتدت الصفوف وأصابت عيناه صحيفة «5» وجه الرضا، أزعجته روعة الملك، وأبهة العز للنزول، والتبرع بما كان يستعفي منه قبل الوصول، فتلقاه الرضا بأتم الإكرام والإعظام، ورعاية الحق والذمام، وجرى مشهد لم يسمع بمثله في الفخامة، وتباشر الخاصة والعامة. وأمر الرضا بإقامة ما وجب إقامته من صنوف الأنزال «6»، واتباع ذلك بما يصلح اتباعه من طبقات الرجال، وسأله بعد ذلك أن يفرغ له نفسه، ويصرف إلى قصد أبي علي وفائق «7» وكفاية شرهما غروه «8»، فضمن له حسن الطاعة، وبذل الوسع والاستطاعة.
पृष्ठ 105