وتزاحم أهل صنعاء على جانبي الطريق يحيون الملك الحبشي الذي أنساهم أنه الأجنبي المنتصر. وكان أبرهة يتلفت مبتسما إلى الجموع المحتشدة ويرفع يمينه بالتحية ردا على دعائهم، كما كان قيصر يفعل إذا حيا جموع القسطنطينية. ولما بلغ الموكب رحبة الكنيسة ووقع بصره على مدخلها الرائع وزخرفها البديع، جذب عنان فرسه ووقف حينا يتأمل بابها المرصع بالياقوت والذهب، وقبابها التي تبرق بغشائها الذهبي في ضوء الشمس.
ونظر إلى من حوله من قواده وجعل يحدثهم عن محاسن البناء الذي سيخلد اسمه على آباد الدهر.
ولم يفارقه مرحه عندما استقبله الجاثليق والقسوس ورفعوا أصواتهم بالترتيل وهم يسيرون إلى صحن الكنيسة، فكان يداعب القس الأكبر بلغة رومية ينطق بها في عسر وبطء، ويضحك بعد كل كلمة ينطق بها. وسار إلى جنب الملكة بين الجدران المرمرية وعطر المسك يفوح منها، حتى بلغ باب المحراب وهو يتمايل بجسمه الضخم في زهو. ونظر إليها قائلا: هذا يوم من أسعد أيامي يا مليكتي. أحس السلام يملأ قلبي، وأكاد أحب أعدائي. ليت قومك كانوا في هذا اليوم معي.
فوجمت الملكة ونظرت إليه نظرة سريعة، وقالت في جفاء: ما أشد وحشتي إليهم ومن بعدهم.
وجلست عابسة صامتة، فلم تجب أبرهة بعد ذلك على أحاديثه التي كان يتدفق فيها. ولما تمت الصلاة وتلقى أبرهة ومن معه بركة القس الأكبر، عاد الموكب إلى القصر، فما كادت ريحانة تبلغه حتى أسرعت إلى جناحها، وانتبذت في شرفتها تسند رأسها إلى يدها وتتأمل الأفق البعيد ساهمة.
وشغل أبرهة بضيوفه، وكان قد أعد لهم سماطا عظيما لطعام الغداء، وكان يتفقد ذا نفر ونفيل بن حبيب وصفوان بن قيس، فلم يرهم بين الوفود، وأحس لذلك قلقا مبهما، وكان في أثناء طعامه يستعيد صورهم ويردد أصداء أحاديثهم في شيء من الحنق.
الفصل الرابع
قال الراوي:
وكان الخريف يخلع على المروج الخضراء بقية روائه، كأنه الشباب المدبر إذ يبالغ في الزينة متعلقا بالحياة، ولكن ريحانة لم تر شيئا من الجمال في كل ما وقعت عليه عينها وهي جالسة في شرفتها. كانت الوحشة الكامنة في صدرها تصور لها القصر الفخم كأنه سجن مظلم، تذكرها جدرانه بأنها ريحانة الأسيرة التي فقدت قومها وعزها يوم دخلته. وكانت البساتين اليانعة التي تمتد تحت بصرها تلوح في رونقها كأنها عدوة حسناء تسخر من شقائها، وكلما هبت نسمات الجنوب على أفنان الشجر، أو لمعت أشعة الشمس على رءوس جبلي نقم وعيبان، أو امتدت الظلال توشي ساحة صنعاء المزدهرة؛ زاد شعورها بوحدتها وقسوة الأمس واليوم والغد عليها. كانت كل المحاسن التي حولها لا تحمل بهجة إلى قلبها، وهو مغلق يسبح في ذكريات قديمة حزينة مرت بها منذ عشرين عاما. وتمنت لو كانت تعيش في كوخ وضيع ينزوي في ركن بعيد من شاطئ قفر، أو في خص مهلهل في جانب واد من أودية سراة حمير تقضي فيه حياتها سعيدة مع من اختاره قلبها في شبابها؛ إذن لكانت الزهرة الخجول التي تنبت في شق من الصخر، أحلى منظرا وأعطر أريجا من كل أزهار البساتين اليانعة في غمدان، ولكانت قطعة العشب الضئيلة المصوحة التي تحف بجوانب بئر عميقة من ماء أجاج في بطن واد أجرد، أحب من كل المروج الريا الفسيحة التي تكسو ربى الساحة.
وما غمدان وما ساحتها وما البساتين والمروج؟ لم تكن كلها سوى زخارف سجن سلبها حريتها وذهب بكرامتها، ولم يعطها بدلا منها سوى تحف وآنية وأثاث ورياش وطعام مترف وفراش منعم. ماذا أعطاها غمدان غير تلك العروض الرخيصة التي لم تهب لها السعادة في يوم من الأيام؟ وتذكرت حياتها الأولى البعيدة التي مضى عليها أكثر من عشرين عاما.
अज्ञात पृष्ठ