135

واتخذها الناس متعة فرأت نفسها قينة ترقص وتغني. لم تعرف القيود، ولم تكن بها حاجة إلى القيود التي يقيد الحرائر بها أنفسهن. وماذا يجديها أن تقيد نفسها وقد أخرجها الناس من حدود العرف والشرائع والأخلاق. لم تكن تعرف الإحسان أو الإساءة، ولا الخير أو الشر، والفضيلة أو الرذيلة، ولم ينتظر منها أحد أن تعرف من ذلك شيئا. كان الحرائر ينزلن عن حرية الطبيعة لكي يفزن بحرية المجتمع، فماذا يحملها على النزول عن الحرية التي تهبها لها الطبيعة؟ كانت وهي إنسانة تنظر إلى الناس كأنهم من عالم غير عالمها. كانت الطبيعة هي التي توحي إليها وترفص فيها. ترقص مرحا أو حزنا، وترقص حبا أو كرها، وترقص أمنا أو خوفا، كانت ترقص بكل خلجة من خلجات نفسها؛ ولهذا كانت حياة الصحراء أقرب إلى طبيعتها.

ومضى عليها الخريف والشتاء وسيف يضرب بها في الأرض كأنهما آدم وحواء، لم يطلب سيف منها شيئا ولم تطلب منه شيئا، بل كانا يتقاسمان ما يجدان معا، ويطلبان ما يريدان معا، وكان سيف لا يجد مشقة في النزول بأحياء العرب يحتمي بجوارهم قبيلة بعد أخرى؛ لأنهم كانوا جميعا يعرفون سيف بن ذي يزن. وكان في كل يوم من تلك الأشهر التي مرت به في شعاب الصحراء يرى لونا جديدا من محاسن طليبة. لم ير منها في أول عهده بها إلا رونق شبابها، ولا يحس منها سوى أنفاس حواء، ولكن دقائق حسنها بدأت تتكشف له واحدة بعد أخرى؛ حاجباها الزجاوان، وعيناها الواسعتان اللتان تتوهجان. وكانت نظرتها أحيانا تذكره بنظرة خيلاء. ألا ما أقساها من ذكرى! كان أحيانا ينطوي على نفسه بعد نظرة منها، ويقضي ساعات طويلة في كآبة، ولكن طليبة كانت لا تعبأ أن تقول له في أثناء ذلك كلمة؛ كانت هي كذلك تنطوي على نفسها ساعات، فلا تحب أن يقول أحد لها كلمة. وهذان الخدان الأسيلان اللذان أشربتهما شمس الصحراء سمرة الخمر المعتقة، وهاتان اليدان اللطيفتان البضتان وأناملها الرخصة المستوية الدقيقة، وذلك القوام اللين الذي يخطر خفيفا فوق قدمين صغيرتين خلقتا لكي ترقصا رشيقتين. وكانت تلك المحاسن تبدو له في ألون شتى، إذا تنفس الفجر، وإذا سطع ضوء الشمس، وإذا احتجبت أضواؤها خلف السحاب، وإذا أظلم الليل ولاح شخصها في ضوء النجوم الخافت، وإذا غمرها القمر في الليالي الزاهرة. أكانت خيلاء تستطيع أن تسير معه هكذا ولا تسأله إلى أين يسير بها؟ أكانت تصادم الليل والنهار معه هكذا، لا تعبأ أين يطلع عليهما الصباح التالي؟

وانتهى بهما المسير إلى جبل أوراة، من أطراف نجد فيما يلي العراق، فأقاما هناك في جوار بني تميم، وكان سيف يتحسس المواضع في سيره البطيء كأنه يقصد إلى قصد، وإن كان قصده مائلا أمام عينيه في كل لحظة. أيستطيع أن يدرك أباه وهو عند باب كسرى؟ أما زال أبوه يحزن من أجل زوجه ريحانة وولده سيف؟ أيعرف أنها ولدت لأبرهة؟ أمات يكسوم حقا؟ فمن يلقاه إذن عندما يعود إلى صنعاء؟ أهو أخوه مسروق؟

وكان أوارة الأجرد يشرف عابسا على مروج خضراء باسمة خلفتها الأمطار التي توالت غزيرة في شتاءين متعاقبين . وكانت بطون الصخر ملأى بالمياه الصافية، وقيعان الأودية ما تزال تلمع بجداولها المتعرجة، فأقام سيف هناك يستجم أياما قبل أن يثب المرحلة الأخيرة إلى الحيرة، ليلقى بها الملك عمرو بن المنذر. وكان في مقامه بأرض تميم يتطلع إلى اليوم الذي يبلغ فيه المدائن، فلا شك أن عمرو بن المنذر اليمني يعينه على بلوغ باب كسرى. بل هو جدير بأن يغضب معه لليمن وما أصابها من ذل الحبشة؛ لأنه كان يمنيا من قبل أبيه اللخمي ومن قبل أمه هند بنت الحارث بن عمرو الكندي.

ولكنه وهو يوشك أن يغادر الصحراء كان يتمسك بالأيام الباقية كما يتمسك الظمآن يبقيه ماء بارد في كأسه. كانت الصحراء تغمره شعورا بالحياة، ولا تقيم بينه وبين نفسه حجابا، ولا تختلس من إحساسه شيئا من المتعة التي يعب منها مع طليبة.

كان يحيا هناك في كل لحظة من أيامه ولياليه، يحيا في أنفاسه وفي عطر الصحراء الوحشي الذي يتنافح إلى شمه، وفي الأصباح والأماسي وفي محاورة الوعول فوق الهضاب، وفي استقبال طليبة إذا آب من الصيد، وفي عبير شعرها الذي لا يمسه الطيب، وفي لين غصنها الرطيب ونغم صوتها إذا كركرت ضاحكة أو ترنمت بأغنية، بل في نومه العميق الذي لا يتخلله حلم. وكان يجلس مع طليبة عند النار بعد عودته من الصيد، يجهزان معا عشاءهما وهي تحدثه بين ضحكاتهما عما لقيت في يومها عند مورد الماء؛ إذ انقطع حبل دلوها فقضت نصف يومها تفتل حبلا جديدا، وتصنع من جلد الماعز دلوا لا يكاد يمسك الماء. وحدثته عن كلبها الضاري الذي كان يدع الغنم وحدها ليلحق بأرنب تسنح له، ثم يعود خائبا غاضبا. ولما نضجت القدر وفاحت ريح الشواء كان عشاؤهما شهيا، وأخذ سيف يصف في مرح حوادث يومه الصغيرة.

وقالت طليبة في غير مبالاة: أعرفت أن القوم يتحملون للسير؟

فقال سيف في دهشة: يتحملون للسير؟

فقالت هادئة: أنذروا بغارة من عمرو بن هند؟

فقال في دفعة: أتحجبين هذا الخبر عني منذ عودتي؟

अज्ञात पृष्ठ