وأثار انعقاد المؤتمر واحتمال انعقاده مرة ثانية في آذار المعتدلين، فطالبوا بإلغائه، ولا سيما لأنه كان خصما للبرلمان إلى حد ما، ولكن ريكاسولي يعلم بأن إلغاء المؤتمر يحمل الناس على العمل في الخفاء والتآمر في السر وفي هذا ما فيه من حذر بالغ، كما أنه كان يدرك قيمة المؤتمر ووطنيته، فرفض أن يتدخل في اجتماعات الدموقراطيين ما دامت تتعارض مع القانون، واعتقد أن الخطة التي وضعها منجبيتي والمعتدلون لسحق المتطرفين غير عملية ولا هي شريفة، فنفي مازيني وإهمال غاريبالدي في صومعته لم يمنع علم التحريكات من أن يرفرف دائما، ولم يكن لريكاسولي رجاء في كسب جانب مازيني؛ إذ كان يعلم بأنه لا تلين له قناة فليس أمامه من طريق عملي سوى أن يتفاهم مع غاريبالدي.
وكان ميل غاريبالدي الطبيعي يتوجه نحو الملك وكان خطر غاريبالدي في حاشيته التي تحيط به في كاربيره وتؤثر فيه، ولما علم ريكاسولي من وكلائه أن رتازي يحيك الدسائس في كاربيره أصبحت ضرورة التفاهم مع غاريبالدي أمرا لا بد منه.
أما رتازي فأقنع غاريبالدي بأنه إذا تسلم الحكومة فسيهاجم فنيسيه فورا ويساعده على سوق حملة إلى أي مكان في روما الشرقية يستطيع منه أن يهاجم النمسة من الخلف، وكان ريكاسولي يعلم بأنه إذا أثيرت آمال غاريبالدي فإنه لا يطيق صبرا على الحركة، فإذا امتنعت الحكومة من الحركة فسيلقي بنفسه غزوة طائشة نحو فنيسيه أود الماسية، قد تسعر النار في أوروبا وتجر إيطالية إلى حرب شعواء لم تكن قد استعدت إليها مطلقا، فأصبح العلاج الوحيد اكتساب ثقته للاستفادة منه في مقاصد الحكومة القادمة، وإقناعه بالتريث ريثما تعطى له الإشارة وإشغاله الآن بشئون جمعية الرمي التي تألفت لتدريب الشباب على إطلاق النار، ولكن هذه المحاولة لم تستطع أن تتغلب على نفوذ رتازي الذي أوقع غاريبالدي في شرك عصبة الدس، ولم يبق أمامها سوى زعزعة مركز ريكاسولي في المجلس النيابي.
وما إن اجتمع البرلمان في تشرين الثاني حتى تجلت العراقيل التي أخذت تعترض سبل الوزارة وكانت الوزارة غير قوية سواء أكان ذلك في الوزارة نفسها أم في الحزب، وأخذ اختلاف الرأي يفرق بين أنصارها ... فأعضاء اليمين آلمهم وأثار حنقهم تساهل ريكاسولي أمام تحريكات تجرى في طوسكانه وإميليه جهارا، وأسخطهم تزايد عطفه على اللجان الدموقراطية.
ولما مال القسم البيمونتي المعاضد للوزارة إلى جانب رتازي راح هذا يحرض العناصر المعارضة جهارا، ويضاف إلى هذا أسباب أخرى كانت تدعو إلى مهاجمة الوزارة، نذكر منها السياسة المركزية الجديدة والفوضى والتذبذب الإداري والخلل في الجنوب واستدعاء جيالديني والمفاوضات التي كانت تدور حول روما، وقد هبت العاصفة المناسبة قضية التساهل الذي أبدته الحكومة تجاه لجان التجهيز، وكان المجلس قد اجتنب الاقتراع ضد الوزارة غير أن المذاكرات دلت بوضوح على أنه ليس لدى ريكاسولي الأكثرية، فانتهز الملك الفرصة للتخلص منه.
وكان ريكاسولي في كانون الأول قد باغت الملك في قوله إنه لا يستطيع البقاء تجاه دسائس البلاط والأزقة، كما أنه رفض حينئذ أن يقدم استقالته ما دام البرلمان معه إلا إذا أتاه أمر قطعي من العرش، وقد أدرك اليوم؛ أي في نهاية شباط، أنه أضاع تأييد المجلس النيابي فاستقال في آذار، وسارع الملك إلى قبول استقالته واستدعى رتازي ليحل محله، وبذلك دخلت المملكة في مأزق خطير، ووجه الخطورة أن رتازي والملك بعثا الروح الثورية التي سعى كافور وريكاسولي كثيرا لتهدئتها، وكانت هذه الروح تضع إيطاليا تحت رحمة غاريبالدي المشهورة، وكان رتازي يظن أنه يستطيع دائما - بلباقته المعهودة - أن يوقف التيار بهدوء حين الحاجة.
وقد خرج غاريبالدي إلى جنوة حين استقال ريكاسولي وحالما بلغه تعيين رتازي أسرع إلى تورينو، ورجع منها بحماسة شديدة بفضل الوعود التي قطعها له فيكتور عمانوئيل ورئيس الوزارة الجديدة، ويظن أن رتازي السياسي الحذر قد قصر حديثه على مشروع غامض لا يتعدى تجهيز الحرس القومي، إلا أن مخيلة غاريبالدي جعلته يفهم من تلميحات رتازي معنى الحرب العاجلة للاستيلاء على فنيسيه وعلى روما أيضا.
ومع ذلك لا يجوز الشك مطلقا من أن رتازي لم يشجع غاريبالدي ولم يعده بالرجال والمال؛ فلذلك راح غاريبالدي يفكر في تجهيز حملة دون أن يبت في تعيين جهتها ... فكانت الوجهة تارة دالماسيه لمساعدة الهنغاريين وتارة بلاد اليونان لنصب فيكتور وصيا عليها، إلا أن أهم أهدافه كان نهك قوات النمسة بتحريض الإيالات الشرقية على العصيان، ولا سيما لأن الوقت كان مساعدا؛ إذ كانت رومانية والجبل الأسود ودالماسيه تتململ في هياج عظيم، وكان الكفاح الدستوري في هنغارية على وشك أن ينقلب إلى ثورة، وسيطر غاريبالدي على الحكومة في ذلك الحين، فعين رئيسا لجمعيات الرمي وسلمت لابنه كتيبة من جنود الكارابنيري جهزت بحجة ضرب الأشقياء، وألحق المتطوعون بالجيش النظامي وأوفد غاريبالدي إلى لمبارديه على نفقة الحكومة بمهمة رسمية لتنظيم جمعيات الرمي فاستقبل فيها كما يستقبل الملوك، وكانت الجماهير في كل مكان تقصد إليه تطالب بروما وفنيسيه فلم يبخل بكيل الوعود.
وبذلك نال رتازي بغيته في استغلال شهرة غاريبالدي لمصلحته، واستطاع بذلك أن يكسب رضاء البرلمان عنه وانضمام الدموقراطيين إلى جانبه، ولعل رتازي نوى أن يضع غاريبالدي أمام الإمبراطور وأن يؤكد له بأن ضغط الشعب وخطر نشوب الثورة يحتمان - لمصلحة الحكومتين - تحقيق الآمال القومية في الحصول على روما، وكانت الحفاوة الباهرة التي قوبل بها غاريبالدي في لمبارديه قد كسفت نجم الملك، فاضطرت الحكومة لكي تحول الأنظار إلى الملك أن تقرر سفره إلى نابولي؛ حيث حياة الأسطول الإفرنسي الراسي فيها، وأقبل الأمير نابليون للسلام عليه فاستقبل الملك بحفاوة بالغة.
أما غاريبالدي فذهب إلى ناحية التيرول لتنظيم حمله، ومع أن الحكومة حاولت جهدها أن تتجاهل عزمه هذا ، ولكنه لم يحاول وأصدقاؤه إخفاء الأمر، وقد شجعته الحفاوة التي قوبل بها في لمبارديه على الحركة بجرأة واندفاع، واعتقد أنه إذا استولى على فنيسيه أو التيرول فلن ترى البلاد والحكومة بدا من السير وراءه، ومع أن رتازي أراد - حسبما يظهر - أن يصده عن هذه المغامرة الجديدة فإن هناك احتمالا بأنه كان يلقى تأييدا من دبريتيس عضو الوزارة، حتى إنه حصل على وعد جديد بإمداده بالسلاح والمال، ولكن سرعان ما كشرت الحكومة له عن أنيابها بغتة، وكانت حجتها الرسمية في ذلك أن الشرطة اكتشفت - لأول مرة - دلائل على وجود حركة تستهدف الاستيلاء على التيرول، ولعل رتازي أدرك أخيرا أن غاريبالدي أصبح خارجا عن قبضة يده، ولا بد من اتخاذ تدابير صارمة لإيقافه عند حده، ومهما كان السبب فإن الحكومة قد لجأت في 15 أيار إلى سياسة الحزم، فأوقفت مائة متطوع وأرسلتهم إلى بريسيه، وهناك حاول الغاريبالديون اقتحام السجن، فوقع اصطدام بينهم وبين الجند، وأثار هذا الحادث غضب الدموقراطيين، وقامت مظاهرات في ميلانو وجنوة ونابولي وباليرمو تهدد الحكومة، ونعت غاريبالدي الجنود بالقتلة، وطلب إلى الحكومة إخلاء سبيل رجاله، ثم لم يلبث أن هدأ وكف عن إعداد الحملة، واجتمع برتازي وبدبريتس وانسحب إلى الريف وأصدر أوامره بتوقيف حركة تجنيد المتطوعين، وبعد مقابلة خفية مع الملك ورئيس الوزراء رجع إلى كاربيره.
अज्ञात पृष्ठ