وما علم غاريبالدي باقتراب الملك حتى ذهب لمقابلته، وقد اقتنع بأن التغلب على مقاومة آل بوربون لا يمكن أن تتم إلا بمجيء جيش الملك، وأدرك صعوبة الحركة نحو روما في تلك الآونة وقرر تأجيلها حتى الربيع، وبهذا قد يكون قد شعر بأن سياسته قد فشلت، ولعل لنصائح أصدقائه من ذوي البصيرة تأثيرا في ذلك.
وتمت المقابلة المشهورة بين الملك والدكتاتور في 26 تشرين الأول ولكن بعض أفراد الجيش البيمونتي أخذوا يهزأون بجنود غاريبالدي وقلة ضبطهم وسوء لباسهم، وراح جنود غاريبالدي يظنون بأن البيمونتيين إنما أتوا ليغتصبوا منهم انتصاراتهم، وكان الكثيرون منهم من الجمهوريين والدموقراطيين الذين حز في نفوسهم أن يروا إيطالية الجنوبية تترك لحكومة كافور، بيد أن الجميع كانوا يتحسسون حسا قوميا صادقا.
وحال وجود العدو على جاريجليانو دون انفجار الغضب ثم حوصرت مدينة كابونه وسرعان ما سقطت، ثم تقدمت على إثر ذلك قوات بيمونته الرئيسية لمهاجمة جند آل بوربون في مواضعهم الحصينة على نهر جاريجليانو، وقد استطاعت أن تجتاز النهر وأن تضطر العدو إلى الانسحاب إلى قلعة «جاتيه».
وفي 5 كانون الأول بدأ الحصار واجتاز الملك نابولي على المركبة وبجانبه غاريبالدي، وكانت الجماهير تستقبلهما تحت المطر استقبالا عظيما ولعل التصفيق لغاريبالدي كان أشد حرارة، ثم حنق غاريبالدي لأسباب منها تعيين فاريني صديق كافور الأمين حاكما على نابولي، ومنها أنه يوم دخول الملك نابولي طلب أوسمة للقيادة ورتبا لجميع ضباطه في الجيش البيمونتي بعد أن عرض نتائج الاقتراع العام وتخلى عن عنوانه الدكتاتور، فلم يجبه الملك إلى طلبه فورا وأجاب بما لم يرض غاريبالدي فانصرف، ثم حاول الملك بعد ذلك أن يلاطفه إلا أن غاريبالدي رفض هدايا الملك، وطلب إليه حمايته للمتطوعين ومنحه عنوان نائب صقلية مدة سنة، فوافق الملك على أن يبقى المتطوعون في مناصبهم الحالية إلا أنه رفض كل امتياز يتعلق بالنيابة، فأبحر غاريبالدي مع بضع مئات من رجاله إلى كابربره وفي جيبه قليل من الدراهم، وفي حقيبته قليل من الفاصولية، وذهب إلى مزرعته.
وفي خطابه الذي ودع به المتطوعين ناشد الناس الولاء للملك ودعاهم إلى التمسك بالانسجام والوحدة، وراح ينتظر حلول الربيع؛ حيث يهرع مليون نفس إلى تقلد السلاح لفتح روما وفنيسيه وضمهما إلى الوطن، وكان فرنسوا قد تحصن في قلعة جايتة مع عشرين ألفا من الجند ولم يجد له في محنته صديقا سوى نابليون الذي عارض في حصار القلعة من البحر، وظل أسطوله يراقب الجانب البحري؛ ليحول دون الحصار من قبل الأسطول البيمونتي، إلا أنه أذعن أخيرا لإلحاح الحكومة الإنجليزية وسحب أسطوله.
وقد كابدت المدينة أضرار القصف، وتفشى فيها مرض التيفوئيد، وأخيرا أدرك فرنسوا أنه خسر المعركة فاستسلم في 13 شباط 1861، ثم استسلمت قلعة مسينة بعد ذلك لشهر واحد، وبسقوط قلعة «سيفيتلكلا ديل ترونتو» في البروزه في 21 آذار انتهى عهد آل بوربون.
الفصل الثاني والثلاثون
المملكة الجديدة
1860-1861
ها هي إيطالية تصبح إحدى الدول الكبرى في أوروبا ومع أن النمسة لا تزال تحكم فنيسيه وتراتينه، وكان البابا - بفضل الحماية الإفرنسية - يملك روما ولاكوماركه، فإن المملكة الجديدة تعد واحدا وعشرين مليونا من النفوس، حقا لقد أصبحت الوحدة الإيطالية التي كانت أضحوكة السياسيين والتي بشر بها مازيني وبعض المؤمنين ولم يعتبرها أكثر القوميين - حتى في الأوقات الأخيرة - إلا احتمالا بعيدا، لا أمرا واقعا، تلقاه حتى المعارضون بسرور، وأنسى الزهو القومي الرجعيين وأنصار الحكم الذاتي مثلهم؛ الضيق؛ إذ صاروا يشعرون بأنهم مواطنون يمتون إلى أمة عظيمة.
अज्ञात पृष्ठ