उम्र के ओएसिस: आत्मकथा: भाग एक
واحات العمر: سيرة ذاتية: الجزء الأول
शैलियों
ولكن الكلمة التي غرست القصة في ذهني، وصورة السائق النحيل ذي الشارب الخفيف والحلة البالية، هي كلمة «سكعوني»! هي قطعا تحوير لكلمة «صك» ولكن العامية مولعة بحرف العين؛ فهو أصيل في العربية واللغات السامية، ومن العبث البحث في العربية إذا تجاهلنا حروفها الأصلية، مثلما فعل لويس عوض بعد ذلك بعشرة أعوام في كتابه «مقدمة في فقه اللغة العربية»؛ فنحن في مصر نضيف العين بعد الكاف أو قبلها لتوليد كلمات جديدة، فنقول: يكعمش (يكمش)، ويكعبش (يكبش)، ويتكعور (يتكور)، ويتكعبل (يتكبل)، ويكعكع (يتكأكئ)، ويتلكع (يتلكأ) ... وهلم جرا، فالعربية تستبدل العين بالهمزة في التمويع (بدلا من التمويئ؛ أي إضافة الماء)، بل ولم يجد بعض العرب المحدثين غرابة في إضافة العين إلى المكرونة فأصبحت معكرونة!
وكان من أسباب جمال عبارة «سكعوني علقة» هي أنها تدل على ظلم فادح؛ فالمضروب بريء، وهو عامل يكد ويجتهد ليلا ونهارا لكسب الرزق، ولو كان ما حدث له مقصورا على السرقة لهان الأمر، ولكنه عوقب على ذلك عقابا مريرا بأن «سكعوه» العلقة! فالمفارقة القدرية قائمة منذ البداية، وهي مفارقة مضحكة مبكية، أما تكرارها - كما اقترح سمير سرحان - فيحيلها إلى حدث رمزي بلغة النقد الحديث، بمعنى أنه يضفي عليها دلالات أعمق وأبعد من المأساة الفردية؛ إذ يجعلها تتخطى ذلك إلى دلالات جهد الناس في عالم لا يأبه، بل ويتربص بهم الدوائر، أو ما شئت من دلالات أخرى تتجاوز الحادثة العارضة لأنها تقيم نمطا أو بناء داخليا .. أو قل - بلغة النقد الحديث أيضا - شكلا باطنا، والشكل له معنى قد يتخطى أحيانا معنى المادة المشكلة!
وكانت الأحداث التي تقع حولنا في تلك الأيام لا تختلف عن الأحداث التي تقع في كل مكان وزمان، ولكننا كنا صغارا نسبيا، فلم يكن أي من أفراد الشلة قد تخطى السادسة والعشرين، ولكننا كنا نتمثل كل ما نقرأ وكل ما يحدث في وجداننا دون قلق على مرور الزمن، فالنهار طويل والليل أطول، ورؤية الحياة بوجدان الطفل تلغي الإحساس بأن ثمة نهاية، ومن ثم بالفناء، وربما كان هذا هو ما يعنيه وردزورث حين خاطب الطفل قائلا إن الخلود ينشر جناحيه عليه مثل ساعات النهار! وأنا أحاول الآن، في غضون استرجاع الأحداث التي حفل بها عام 1964م، وإحساسانا بهذه الأحداث، أن أذكر ما كنا نشعر به فلا أستطيع! وأعود إلى ما قاله الشاعر الإنجليزي نفسه حين قال في قصيدة أخرى إن النفس تذكر كيف أحست، لكنها لا تذكر ما أحست به! وهو يعلق على ذلك قائلا إن في محاولة استرجاع الزمن والعجز عنه دليلا على أن الزمن مطلق! أين ذهبت أحداث الأمس ومشاعره؟ وهل ما بقي منها في النفس هو ما خامر النفس آنذاك؟ وما مدى تحولها وتبدلها على مر الأيام وكر السنين؟ إن فشل الإنسان في إدراك ذلك هو سبيله إلى التسليم بوجود الزمن، والزمن بعد هو الفيض الدفاق أبدا، ولا يستطيع إدراك حقيقة الخلود من يغفل عن هذه الحقيقة.
كنا جميعا نعيش في سياقين زمنيين متلازمين، وأكاد أقول متطابقين؛ الأول هو سياق الحاضر - الذي يجرفنا بأحداثه فلا نحس به، والثاني هو المستقبل الذي نحس به كأنه نور دفاق يملأ الأفق ويمتد بلا نهاية، وهذا هو الذي قال عنه وردزورث إنه إشعاع ضوء الأبدية الذي ولدنا به، وكان يعني به يقين الروح من الانتماء إلى عالم غير أرضي! ولما كان وردزورث يؤمن بأن ضوء الأبدية فطري، أي بأنه يولد مع الإنسان، فقد كان يفسر أي إحساس بهذا الضوء بأنه «ذكرى» لعالم الغيب الذي أتى منه، وهذه رؤية شاعر على أي حال، أما أنا فكنت أرى أن هذا النور الدفاق أبدا هو الحقيقة الوجودية التي اختص الله الإنسان بإدراكها؛ سواء وضعها في رموز مستقاة من حياته (مثلما يفعل زعبلاوي بطل قصة نجيب محفوظ الشهيرة)، أو تركها مطلقة تشرق وقتما تريد، وتهب المعنى لوعيه بذاته في لحظات نادرة الحدوث.
وعندما كنا نعمل بجد في تلك الأيام، كان بعضنا يطل على المستقبل من خلال رموزه، فكان بعضنا يرى نفسه في صورة كاتب مسرحي، وقد يكون هذا الكاتب علما يشار إليه بالبنان، أو في صورة أستاذ مرموق، أو في صورة أستاذ وكاتب معا، لكن الصورة كانت تتداخل، وكنت أكثر من يعانون من هذا التداخل، فعندما يكتب الإنسان كلاما ثم يسمعه منطوقا على المسرح بنبرات وأنغام قد تتفاوت وقد تغير معناه، تختلط المعاني ويبدأ في التساؤل عن الوعي الذي تدل عليه، وعندما كنت أترجم «روميو وجولييت» كنت أتساءل عن المتكلم - شيكسبير أم الشخصية أم أنا أم الممثل؟ وكثيرا ما كنت أسمع الصوت الداخلي وقد تهدج وبدت عليه دلائل الإرهاق!
12
وفي الشهور الأولى من عام 1965م كنت أعمل بجد في الرسالة التي تأخرت، وفي ترجمة شيكسبير، وكتابة مقالات مجلة المسرح، وكنت أحس بأنني أصبحت حبيس زمن لا يريد أن يتحرك! ولذلك كثيرا ما كنت أخلو بنفسي في شقة الروضة، التي ظلت سرا لا أطلع عليه أحدا (حتى لا يرتادوها فيفسدوا خلوتي، وقد يفعلون ما لا أحب)، وكانت خطيبتي نهاد تشكو من أنها أحيانا ما تفشل في العثور علي في أي مكان في القاهرة! ولكنني كنت أشعر يوما بعد يوم بأن القراءة تتطلب الخلوة، وكانت الكتب التي لا بد من قراءتها تفرض علي العزلة، ومن ثم تمكنت من الانتهاء من ترجمة روميو وجوليت، ودفعت بها إلى المطبعة في مارس، وظهرت في عدد إبريل، ومع ظهورها جاءتنا مكالمة تليفونية غير متوقعة! كانت المتحدثة هي الدكتورة لطيفة الزيات، وأبلغتني باقتضاب أن علي صبري قد وقع قائمة تضم عشرة أشخاص سمح لهم بالخروج من مصر، وأن اسمي واسم سمير سرحان في القائمة، بعد أن اكتشف الموظف المسئول أن ميزانيتنا سبقت الموافقة عليها عام 1963م.
وأهرعت إلى سمير أبلغه الخبر السعيد، وسرعان ما استخرجنا جوازات السفر، وكانت مشكلة جواز السفر هي أنه لا يسمح باستخراج الجواز إلا مع النص على اسم الدولة التي سيسافر إليها المسافر، ولم تكن أوراق إدارة البعثات تسمح بالنص على إنجلترا (بالنسبة لي)، وأمريكا (بالنسبة إلى سمير) فخرج كل جواز وبه دولة واحدة يسمح لها بالسفر؛ هي ليبيا! وعملنا أسبوعين عملا شاقا لإضافة الاسمين، وما يزال جواز السفر القديم معي يحمل تأشيرة تقول «ليبيا - أضيفت إنجلترا بمعرفة المصلحة». وسرعان ما اشتريت تذكرة السفر، ذهاب فقط، بنحو 93 جنيها، وبدأنا الاستعداد، في سباق مع الزمن؛ للرحيل قبل أن يغير أحد المسئولين رأيه.
وحددت أنا تاريخ السفر في أقرب فرصة، وهو يوم 12 مايو 1965م، بينما حدد سمير الموعد بعده بأسبوعين، وصرنا نتردد على مجمع التحرير يوميا للانتهاء من الإجراءات، وتغيرت صورة مصر في نظري على الأقل؛ إذ كانت السنوات الست التي قضيتها بعد التخرج حافلة بالعمل، وبما هو أهم من العمل؛ ألا وهو الانتماء لمجتمع أدبي وفني مزدهر، بما في ذلك من علاقات بشرية عميقة ومتعددة، ولكن الذي لم أكن أعمل له حسابا هو البعد عن اللغة العربية؛ فلقد اكتسبت في تلك السنوات قدرة على الإحساس بها والتعبير بها، جعلها جزءا لا يتجزأ من كياني؛ وكذلك الابتعاد عن العود! وكنت قد اشتريت جهاز تسجيل ضئيل الحجم من أحمد أبو شادي (زميل فاروق عبد الوهاب) سجلت عليه بعض الألحان التي صنعتها لقصائد صلاح جاهين وما زلت أحفظ بعضها! لم أكن أعرف أن غيبتي ستطول عشر سنوات! وفي ليلة السفر دعانا رشاد رشدي مع نهاد وفاروق وسمير إلى السهرة في عوامة (مركب راسية) في النيل وجعلنا نتحدث حتى الساعات الأولى من الصباح، ثم حملت حقيبتي واتجهت إلى المطار، ولما كنت أكره لحظات الوداع والانفعالات المعتادة، بادلت المودعين التحية باقتضاب، في مطار خال من المسافرين، وفي الثامنة تماما أقلعت الطائرة ثم هبطت في مطار روما، حيث توقفنا ساعة، انتهزت الفرصة فيها لإرسال بطاقة إلى مصر، بعد أن غيرت النقود الإنجليزية بإيطالية، وكان لا يسمح للمسافر بأكثر من خمسة جنيهات إسترلينية.
وفي مساء ذلك اليوم هبطت الطائرة في لندن، وبدأت رحلة جديدة في واحات الحياة، وانطوت معها رحلة الزمن في الواحات التي كتب لها أن تختفي من حياتي إلى الأبد.
अज्ञात पृष्ठ