شكاه إلى المعتصم بالله ليأمر بحبسه، فأمر بحبسه والتضييق عليه، ثم سأله أن يطلق يده عليه، فلم يفعل، وكان أحمد بن أبي دواد (١) متعصّبا لأبي دلف، يقول للمعتصم: إنّ الإفشين ظالم له، وإنّه إنّما نقم عليه نصيحته (٢) في محاربة بابك، ودفعه ما كان الإفشين يذهب إليه من مطاولة الأيّام، وإنفاق الأموال، وانبساط اليد في الأعمال، وتركه متابعته على ذلك، فألحّ الإفشين على المعتصم في إطلاق يده عليه، وكان للإفشين قدر جليل عند المعتصم يدخل إليه بغير إذن.
قال أحمد بن أبي دواد: ودخلت على المعتصم يوما فقال لي: يا أبا عبد الله، لم يدعني اليوم أبو (٣) الحسن الإفشين حتى أطلقت يده على القاسم بن عيسى، فقمت من بين يديه وما أبصر شيئا جزعا على أبي دلف، ودخلني أمر عظيم، وخرجت، فركبت دابتي، وخرجت أسير أشدّ سير (٤) من الجوسق (٥) إلى دار الإفشين أؤمّل أن أدرك أبا دلف قبل أن يحدث عليه الإفشين حادثة.
٣ - سنة، احتوى خلالها على المدن والحصون، وهزم جيوش المأمون والمعتصم، قتله المعتصم بعد أن أسره الأفشين، وإنما قيل له الخرمي؛ لأنه دعا الناس إلى مقالة الخرمية وهو لفظ أعجمي ينبئ عن الشيء المستطاب المستلذ، لأنهم يعتقدون إباحة الأشياء، وهذا راجع إلى عدم التكليف. الوافي بالوفيات ١٠/ ٦٢.
(١) أحمد بن أبي دواد الإيادي أحد القضاة المشهورين من المعتزلة، ورأس فتنة القول بخلق القرآن، كان عارفا بالأخبار والأنساب، فاضلا، شديد الدهاء، محبا للخير اتصل بالمأمون ثم المعتصم الذي جعله قاضي قضاته. قال الذهبي: حمل الخلفاء على امتحان الناس بخلق القرآن، ولولا ذلك لاجتمعت الألسنة عليه. الأعلام.
(٢) في الأصل: تصحيحه. وقد كتب في الهامش: لعلها نصيحته. وهو ما جاء في الفرج بعد الشدة.
(٣) في الأصل: أبي.
(٤) في الأصل: سيرا.
(٥) الجوسق: القصر. القاموس (الجوسق).
1 / 164
[تمهيد]
[مقدمة]
الفصل الأول في الشكر واستدامته النعم وصرفه المحن والنقم
الفصل الثالث في الموت وانقطاع الأسباب بين الأهلين والأصحاب
الفصل الرابع في السجن والتعويق ومن خرج إلى سعة من ضيق
الفصل الخامس في نفاق الأصحاب والإخوان وتغيرهم مع تغير الزمان
الفصل السادس في القناعة والياس مما بأيدي الناس
الفصل السابع في مكارم الأخلاق والكرم ومحاسن الأخلاق والشيم
الفصل الثامن في التقوى والأمانة وقمع الهوى والديانة
الفصل التاسع في ذم الدنيا والزهادة فيها وتقلب أحوالها بأهاليها وما قيل من تنبيه ووعظ