الرفعة في بعض متون فقه المذاهب الأربعة
الرفعة في بعض متون فقه المذاهب الأربعة
प्रकाशक
دار عمار للنشر والتوزيع
संस्करण
الأولى
प्रकाशन वर्ष
١٤٤١ هـ -٢٠٢٠ م
الرِّفْعَةُ
فِي بَعْضِ مُتُونِ فِقْهِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ
(مَجْمُوعٌ قَيِّمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعِ مَنْظُومَاتٍ)
جَمَعَهُ وَرَتَّبَهُ وَضَبَطَهُ بِالشَّكْلِ
د. تَوفِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ضَمْرَةُ
مُدَرِّسُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي الْمَسْجِدِ الْحُسَيْنِيِّ الْكَبِيرِ
الْمُجَازُ بِإِقْرَاءِ الْعَشْرِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى
وَدَوَاوِينِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
1 / 1
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٤١ هـ -٢٠٢٠ م
1 / 2
الرِّفْعَةُ
فِي بَعْضِ مُتُونِ فِقْهِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ
(مَجْمُوعٌ قَيِّمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعِ مَنْظُومَاتٍ)
جَمَعَهُ وَرَتَّبَهُ وَضَبَطَهُ بِالشَّكْلِ
د. تَوفِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ضَمْرَةُ
مُدَرِّسُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي الْمَسْجِدِ الْحُسَيْنِيِّ الْكَبِيرِ
الْمُجَازُ بِإِقْرَاءِ الْعَشْرِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى
وَدَوَاوِينِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
1 / 3
الإهداء
إلى والديّ الكريمين
إلى كل من علمني حرفًا
إلى زوجتي الفاضلة
إلى أبنائي الأحبة
إلى طلابي الأعزاء
أهدي هذا العمل
المؤلف
1 / 4
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب].
(وَبَعْدُ): فَهَذا كِتَابٌ قيِّمٌ جَمَعَ أَرْبَعَ مَنْظُومَاتٍ فِقْهِيَّةٍ مُعْتَمَدَةٍ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا يَخْفَى مَا لِلْمُتُونِ مِنَ الْمَكَانَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالرَّصِيدِ الْفِقْهِيِّ الْغَزِيرِ، وَكَمْ لِلْمَنْظُومَاتِ مِنْ فَضْلٍ فِي ضَبْطِ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ بِطَرِيقَةٍ تُسَهِّلُ حِفْظَهَا وَاسْتِحْضَارَهَا.
وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي وَاحَةِ الْمَنْظُومَاتِ الْفِقْهِيَّةِ يَحْسُنُ أَنْ نُشِيرَ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ هَامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْفِقْهِ وَنَشْأَتِهِ، وَدَوْرِ الْمَدَارِسِ الْفِقْهِيَّةِ فِي خِدْمَةِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَإِرْسَاءِ قَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ.
أَوَّلًا: فَضْلُ الْعِلْمِ وَمَكَانَتُهُ:
الْعِلْمُ قِيمَةٌ مِنَ الْقِيَمِ الْعُلْيَا الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ وَأَقَامَ عَلَيْهَا حَيَاةَ الْإِنْسَانِ وَجَعَلَهُ طَرِيقَ الْإِيمَانِ، وَبِهِ فَضَّلَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْهُ عَلَى الرَّسُولِ الْكَرِيمِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق].
1 / 5
وَقَدْ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى مَكَانَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ حِينَ ذَكَرَ شَهَادَتَهُمْ بَعْدَ شَهَادَتِهِ سُبْحَانَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران] فَانْظُرْ كَيْفَ بَدَأَ ﷾ بِنَفْسِهِ وَثَنَّى بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ وثَلَّثَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ، وحَسْبُكَ بهذا شَرَفًا وَفَضْلًا، وسُمُوًّا ونُبْلًا ...
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١].
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ في الْمَاءِ، وَفضْلُ الْعَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَإنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ) [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا رُتْبَةَ فَوْقَ النُّبُوَّةِ، وَلَا شَرَفَ فَوْقَ شَرَفِ الْوِرَاثَةِ لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمِيرَاثُ النَّبَوِيُّ يَتَفَاوَتُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا تَتَفَاوَتُ حُظُوظُ أَهْلِ الْمِيرَاثِ؛ فَمِنَ الْوَرَثَةِ مَنْ يَأْخُذُ النِّصْفَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ السُّدُسَ وَمِنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَصَبَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْجَبُ.
1 / 6
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ: (يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ الْعِلْمُ؛ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ وَالْمَالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلْمُ يَزْكُو بِالْإِنْفَاقِ) (^١).
وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: (لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنَ الْعِلْمِ، الْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ وَالْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ) (^٢).
وَقَالَ وَهْبٌ: يَتَشَعَّبُ مِنَ الْعِلْمِ الشَّرَفُ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ دَنِيًّا، وَالْعِزُّ وَإِنْ كَانَ مَهِينًا، وَالْقُرْبُ وَإِنْ كَانَ قَصِيًّا، وَالْغِنَى وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَالْمَهَابَةُ وَإِنْ كَانَ وَضِيعًا (^٣).
وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ للهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْأَنِيسُ فِي الْوَحْشَةِ وَالصَّاحِبُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ، وَالدَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ وَالْقُرْبُ عِنْدَ الْغُرَبَاءِ، يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَلْقِ قَادَةً يُقْتَدَى بِهِمْ وَأَئِمَّةً فِي الْخَلْقِ تُقْتَفَى آثَارُهُمْ، وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ، وَتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي حُبِّهِمْ بِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، حَتَّى كُلُّ رَطِبٍ وَيَابِسٍ لَهُمْ مُسْتَغْفِرٌ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ وَهَوَامُّ وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ، وَالسَّمَاءُ وَنُجُومُهَا، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ
(^١) كنز العمال (١٠/ ٢٦٣).
(^٢) التذكرة في الوعظ، ابن الجوزي ص ٥٦.
(^٣) تذكرة السامع والمتكلم ص (٨).
1 / 7
مِنَ الْعَمَى، وَنُورُ الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، وَقُوَّةُ الْأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ، يَبْلُغُ بِهِ الْعَبْدُ مَنَازِلَ الْأَحْرَارِ، وَمُجَالَسَةَ الْمُلُوكِ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْفِكْرُ بِهِ يُعْدَلُ بِالصِّيَامِ، وَمُدَارَسَتُهُ بِالْقِيَامِ، بِهِ يُطَاعُ اللهُ ﷿، وَيُعْبَدُ بِهِ اللهُ جَلَّ وَعَلَا وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، إِمَامُ الْعَمَلِ؛ وَالْعَمَلُ تَابِعٌ لَهُ يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ ويُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ" [رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جَامِعِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَأَوْرَدَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ].
وَالْمَرْءُ فِي طَرِيقِ سَيْرِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ صَحِيحٍ يُبَصِّرُهُ الْحَقَّ وَيَهْدِيهِ الطَّرِيقَ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الُعُبُورِ بِسَلَامٍ.
وَلَا يَخْفَى مَا فَضَّلَ اللهُ تَعَالَى بِهِ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ الْعَامِلِينَ بِهِ، الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، فَالْعِلْمُ نُورٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَإِذَا كَانَ النَّاسُ أَمْوَاتًا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَحْيَاءٌ.
وَصَدَقَ الشَّاعِرُ حَيْثُ يَقُولُ:
مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُمُ ... عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ
وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ ... وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ
فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حَيًّا بِهِ أَبَدًا ... النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ (^١)
(^١) إحياء علوم الدين (١/ ١٥).
1 / 8
ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ:
مَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِهِ فَقَدْ سَلَكَ طَرِيقَ الْعِلْمِ الْمُوصِلَةِ لِلْجَنَّةِ، وَمَنْ وَاظَبَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ للهِ، وَتَفَقَّهَ فِي دِينِ اللهِ زَادَتْ خَشْيَتُهُ للهِ، وَسَلِمَتْ عَقِيدَتُهُ وَصَحَّتْ عِبَادَتُهُ، وَحَسُنَتْ مُعَامَلَاتُهُ لِلنَّاسِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ لَهُمُ الْخَيْرَ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﵌: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) [الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﵌ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالْفِقْهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَقَدْ حَثَّتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى طَلَبِ الْفِقْهِ، مَعَ بَيَانِ فَضْلِ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة].
وَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْفِقْهَ الصَّحِيحَ، وَيَحْذَرَ مِنَ الْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيُحِيلَ السَّائِلَ لِمَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا.
فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصَابَ رَجُلًا جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ ثُمَّ احْتَلَمَ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ .. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ].
وَمَنْ يَرْغَبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ - وَمِنْهُ الْفِقْهِ - فَهُوَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ الْجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [الْبُخَارِيُّ].
1 / 9
ثَالِثًا: نَشْأَةُ الْمَدَارِسِ الْفِقْهِيَّةِ:
الْمَدَارِسُ الْفِقْهِيَّةُ هِيَ: نِتَاجُ مَجْمُوعَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَخَصِّصِينَ الَّذِينَ امْتَازُوا بِالْكَفَاءَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالِاجْتِهَادِ، والتَّفَرُّغِ لِلِاشْتِغَالِ بِدِرَاسَةِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَاسْتِنْبَاطِ أَحْكَامِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَى صِيَاغَةِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَمَبَادِئِهِ وَمَقَاصِدِهِ، وَتَوْسِيعِ مَبَاحِثِهِ فِي فَتَرَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ .. حَتَّى اكْتَمَلَ وَضْعُ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ.
أ - الْفِقْهُ فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ:
الْعَصْرُ النَّبَوِيُّ هُوَ الْمَرْجِعُ الْأَوَّلُ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِنُزُولِ الْوَحْيِ حَتَّى اكْتَمَلَ الدِّينُ. وَكَانَ لِلشَّرْعِ الْإِسْلَامِيِّ مَصْدَرَانِ تَلَخَّصَ فِيهِمَا مَا نَزَلَ مِنَ الْوَحْيِ: الْقُرْآنُ والْحَدِيثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿(٦٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ﴾ [الأحزاب:٣٤] وَآيَاتُ اللهِ هِيَ: الْقُرْآنُ وَالْحِكْمَةُ: هِيَ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الحشر:٧]، وَكَانَتْ مَهَمَّةُ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﵌: تَلَقِّي مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَحِفْظَهُ وَتَطْبِيقَهُ وَكِتَابَتَهُ الْقُرْآنِ.
وَكَانَ الْفِقْهُ فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّة رَسُولِ اللهِ ﵌ وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَأْخُذُونَ عَنِ النَّبِيِّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَيُعَلِّمُونَ
1 / 10