[118_2]
من أنفسهم: المقاتل بالأجرة، وراكب البحر للتجارة، وحافر البئر والأسراب، والمدل بالسباحة، والمخاطر على السم. وقال: لينفق ذو المال ماله في ثلاثة مواضع: في الصدقة إن أراد الآخرة، وفي مصانعة السلطان إن أراد الذكر، وفي النساء إن أراد العيش. وقال: إن صاحب الدنيا يطلب ثلاثة ولا يدركها إلا بأربعة، فأما الثلاثة التي يطلب، فالسعة في المعيشة، والمنزلة في الناس، والزاد إلى الآخرة؛ وأما الأربعة التي تدرك بها هذه الثلاثة، فاكتساب المال من أحسن وجوهه، وحسن القيام عليه، ثم التثمير له، ثم إنفاقه فيما يصلح المعيشة ويرضي الأهل والأخوان، ويعود في الآخرة نفعه، فإن أضاع شيئا من هذه الأربعة لم يدرك شيئا من هذه الثلاثة: إن لم يكتسب لم يكن له مال يعيش به، وإن كان ذا مال واكتساب ولم يحسن القيام عليه، يوشك أن يفنى ويبقى بلا مال، وإن هو وضعه ولم يثمره لم يمنعه قلة الإنفاق من سرعة النفاد، كالكحل الذي إنما يؤخذ منه على الميل مثل الغبار، ثم هو مع ذلك سريع فناؤه، وإن اكسب وأصلح وثمر، ولم ينفق الأموال في أبوابها، كان بمنزلة الفقير الذي لا مال له، ثم لا يمنع ذلك ماله من أن يفارقه، ويذهب حيث لا منفعة فيه، كحابس الماء في الموضع الذي تنصب فيه المياه، إن لم يخرج منه بقدر ما يدخل فيه تمصل وسال من نواحيه فيذهب الماء ضياعا.
هذه بعض حكم ابن المقفع لقطناها، وكلامه ليس مما يلتقط منه ويطرح منه، بل كله سلسلة واحدة ونمط واحد، وقد ختم كتابه اليتيمة بهذه الجملة المعجبة والواصف الغريب، قال، وهي آية الإبداع:
30 - إني مخبرك عن صاحب كان أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه عندي صغر الدنيا في عينه؛ كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجا من سلطان فرجه فلا تدعوه إليه مؤونة،
पृष्ठ 118