فجرِه، لاثنتي عشرةَ ليلةً مضتْ من ربيعٍ الأوَّلِ عامَ الفيل (^١)، بشرقيِّ جوفِ مكَّةَ في شِعب بني هاشم (^٢)، بالدَّارِ التي كانت تسكنُ فيها مع أبيه، وهي بسُوقِ اللَّيلِ معروفة (^٣)، مختونًا مسرورًا (^٤)، مختومًا بختامِ النُّبوَّة محبورًا. وقيل لها وهي بين النَّائمةِ واليقظانةِ: إنَّكِ حملتِ بسيِّد هذه الأمَّة، بل رأته حينَ وضعتْه سقطَ منها نورٌ أضاءتْ له قصورُ الشَّام الشَّهير لمن أَمَّه، وقالتْ: واللّهِ ما رأيتُ من حَملٍ قطُّ كان أخفَّ ولا أيسرَ منه، إلى غيرِ ذلك ممَّا تشرَّفتْ بنقلِه عنه، وأَنَّهُ وقعَ حينَ ولدتْه وقرَّت عينُها إليه بالانتماء، واضعًا يديه بالأرضِ (^٥) مُشيرًا بالسَّبابة كالمُسبِّحِ بها إلى السَّماء، وليلةَ ميلادِه انشقَّ إيوانُ كِسرى حتى سمعَ صوتُه، وسقطتْ منه أربعَ عشرةَ شُرفةً.
(^١) لحديث أبي قتادة ﵁ قال: سُئلَ رسولُ اللّه ﷺ عن صومِ يوم الاثنين؟ فقال: "ذاك يوم وُلِدتُ فيه، ويومٌ بُعثتُ، أو: أُنزل عليّ فيه". أخرجه مسلم في كتاب الصيام، باب: استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر ٢/ ٨٢٠ (١٩٨).
(^٢) "جمهرة نسب قريش" ١/ ٣٦٨، و"الروض الأنف" ١/ ١٠٧، و"عيون الأثر" ١/ ٢٦.
(^٣) ما زال معروفًا باسمه إلى يومنا. "الزهور المقتطفة" ص: ١٥٦، و"إتحاف الورى" ٤٨، ٤٩.
(^٤) أخرجه ابن سعد ١/ ١٠٣، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" ٣/ ٨٥ عن العباس، ورجاله ثقات سوى يونس بن عطاء، فلم أقف على ترجمته، وفيه عنعنة عكرمة، وهو مدلِّس، كما في "تعريف أهل التقديس" ص: ٩٨، وأخرجه أبو نعيم في "دلائل النبوة" ص: ٤٦ عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "مِن كرامتي على ربي أني وُلدتُ مختونًا، ولم يرَ أحدٌ سوأتي"، والحاكم ٢/ ٦٥٧، وصحَّحه. والخِتانُ: قطعُ موضعٍ معيَّن من ذكَر الغلام وفرج الجارية، ومسرورًا، أي: مقطوع السُّرةَّ. "النهاية": ختن وسرر ٢/ ١٠، ٣٥٩.
(^٥) الحديث بذكر خِفَّة حمله ﷺ على أمه، وخروج النور من أمه، ووقوعه على يديه (حسنٌ لغيره) أخرجه أحمد ٤/ ١٢٧، وابنُ حِبَّان، "الإحسان" ١٤/ ٣١٣ (٦٤٠٤) بسند جيد من حديث العرباض بن سارية.