وعاد الدكتور حامد عبد الكريم، وما هو إلا هين السعي حتى عين بكلية التجارة مدرسا للجغرافية الاقتصادية. ولم تعد دولت لتعيش مع أخيها فهو قد تعود الحياة فردا، وأحب هذه العادة التي اكتسبها من لندن، كما أحب العادات الأخرى التي يعود بها أغلب العائدين من هناك. ولم ينس الدكتور حامد عادة من تلك العادات، بل صحبها جميعا من بلادها إلى مصر، ودمجها بعادته التي نبتت معه في مصر، فهو لا يزال بطيء المشية عظيما، نبيل اللفتات متكبر السمات. وعلى الرغم من أن الفقر كان مصدر هذه العادات، وعلى الرغم من أنه ترك الفقر واطمأن إلى عدم عودته إليه، إلا أنه لم يترك من عاداته القديمة هذه شيئا. وكان من بين ما أحضر معه من عادات عادة الانفراد وعادة البخل، وكلتاهما تغنيه عن دولت أي غناء. واستطاع أن يبخل ويشتد بخله فلا يترك استغناءه عن دولت يمر دون أن يستغله أحسن استغلال. فأظهر لعزت باشا أنه يترك أخته إكراما لخاطره وخاطر فايزة التي أصبحت لا تستغني عنها، وأظهر أيضا أنه يقبل هذا عن طيب نفس مهما يكن في هذا الترك من متاعب ستلاقيه بها وحدته وانفراده. وكان شكر الباشا واضحا في سعيه الحثيث، وكانت الثمار دانية عن قريب في تعيين الدكتور بكلية التجارة.
لم ينس حامد وفاءه للبيت الذي حقق له هذه الآمال، وقد آلمه ما حاق به. ولكنه حين رأى الكارثة قديمة أخفى ألمه، وأبدى وفاءه في اهتمامه بيسري وإصراره أن يلحقه بكلية التجارة ما دام غير راغب في كلية بعينها. والتحق يسري بكلية التجارة، وظل حامد يرعى أمره رعاية مخلصة وفية.
أما خيري فقد واجه الحرب هادئا، لم يشغله إلا غلاء الحاجات، ولكنه اطمأن حين وجد محصولات أرضهم تغلو هي أيضا فتواجه الغلاء. وحين جاءت علاوات الحرب ازداد طمأنينة. وسار حياته كما كان يسيرها هادئا واثقا مرتاح النفس والضمير.
وأحس محسن من الحرب الظلام المفروض الذي حد من غزواته المسائية، وترك لأبيه جميع الأعباء الأخرى، وترك له أيضا - بطبيعة الحال - المكاسب الكبرى التي أغدقتها الحرب على أصحاب الأرض.
واجه الجميع الحرب مرغمين غير راضين، شأنهم في ذلك شأن العالم أجمع. واختلف تأثر كل منهم عن الآخر شأنهم في ذلك أيضا شأن سكان العالم أجمعين.
الفصل الثاني والعشرون
فرغت سميرة هانم من صلاة الظهر، ولم تقم عن السجادة بل ظلت في مكانها تسبح بعض الوقت، ثم نظرت إلى نادية التي كانت جالسة إلى جانب السجادة على الأريكة التي ظلت عمرها في حجرة سميرة هانم، وصحبتها من بيتهم القديم إلى شقتهم. وقالت سميرة هانم: لماذا لم تلبسي يا نادية؟ - سألبس حالا يا نينا. - قومي يا بنتي لنذهب ونعود قبل الليل والغارات. - حالا. آبيه خيري سيذهب معنا؟ - طبعا، ألم يلبس هو أيضا؟ - إنه لابس لم يخلع. - ويسري؟ - لا يريد الذهاب. - لماذا؟ - لا أدري. - ناديه، واذهبي أنت لتلبسي.
وخرجت نادية وعندما تركت الباب نادت: يسري.
وأجاب خيري ظانا أنه هو المطلوب: نعم. - نينا تريدك.
وقصدت نادية إلى حجرتها تبدل ملابسها، وقصد خيري إلى حجرة أمه يسألها: تريدينني يا نينا؟ - لا يا ابني ناد لي يسري. - أتريدينه في شيء؟ - ناده وابق معنا.
अज्ञात पृष्ठ