तावीलात
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
قال الجنيد رحمه الله: لو أقبل صديق على الله ألف سنة ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، فأما عذابه في الدنيا فبسلب الصدق والرد على باب الطلب وإرخاء الحجاب وذله وتقوية الهوى وتبديل الإخلاص بالرياء، والحرص على الدنيا وطلب الرفعة والجاه، وأما عذابه في الآخرة فباشتعال نيران الحسرة والندامة على قلبه المعذب بنار القطيعة وهي نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.
{ وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } [التوبة: 74] يشير إلى أن من ابتلي برد ولاية شيخ كامل ولو امتلأت الأرض بالمشايخ وأرباب الولاية وهو يتمسك بذيل إرادتهم غير أن شيخه رده لا يمكن لأحدهم إعانته وإخراجه من ورطة الرد إلا ما شاء الله تعالى.
[9.75-79]
ثم أخبر عن آفة حب الدنيا والركون إليها بقوله تعالى: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين } [التوبة: 75] إلى قوله: { علام الغيوب } [التوبة: 78] { ومنهم من عاهد الله } تشير إلى أن نفوس المنافقين مستدعية في أصل الخلقة لنقض العهد مع الله تعالى وأخلاق الوعد والخيانة في الأمانة والكذب كما نطق بها الحديث إنها تعد المنافق بالصلاحية والسخاوة، وحمل أعباء الشريعة على خلاف طبعها وجبلها حرصا على الدنيا واستيفاء شهواتها، وأنها لا توفي بما وعدته.
وإن المنافقين صنفان: صنف معلن الإسلام مستتر الكفر في بدء الأمر وذلك لغلبات صفات النفاق وقوتها في النفس، فيظهر بالفعل ما كان بالقوة وذلك لضعفها في النفس، فيعقبهم النفاق إلى الأبد بالسلوك الواقع في قلوبهم، وهم عن هذا النوع من النفاق غافلون وهم يصومون ويصلون ويزعمون أنهم مسلمون كما نطق به الحديث:
" وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ".
وقوله تعالى: { فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به } [التوبة: 76] يشير إلى أن نفس المنافق كذبت فيما حدثت وأخلفت فيما وعدت بالسخاء فبخلت، { وتولوا وهم معرضون } [التوبة: 76] من الصلاحية وعن حمل أعباء الشريعة، { فأعقبهم } [التوبة: 77] هذه الصفات والمعاملات.
{ نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه } [التوبة: 77] أي: يلقون جزاء النفاق، { بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون } [التوبة: 77] إن كان سبب النفاق ومنيته في القلوب خلف الوعد وكذب الحديث، { ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم } [التوبة: 78] أي: النفاق المستكمن في النفوس صفاته وهم لا يشعرون، { ونجواهم } [التوبة: 78] أي: يناجيهم به النفوس من النفاق وتسول لهم ولهم الشعور به، { وأن الله علام الغيوب } [التوبة: 78] أي: هو عالم بما توسوس به نفوسهم وهو غيب عن الخلق، وعالم بما يكن في قلوبهم وهو غيب عن نفوسهم، ولهذا قال: { علام الغيوب } وبها يشير إلى الصنفين من المنافقين.
ثم أخبر عن نعوت أهل النفاق مع أهل الوفاق بقوله تعالى: { الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات } [التوبة: 79] يشير إلى الاستعداد الفطري للمؤمنين والمنافقين، وذلك أن قلب المؤمن منور بالإيمان وروحه متوجهة إلى الحق، فالحق يؤيد روحه بتأييده بنظر العناية وتوفيق العبودية فيطلع من الروح نور روحاني مؤيد بنور رباني فتنبعث منه الخواطر الربانية الداعية إلى الله تعالى بأعمال موجبة القربة من الفرائض والنوافل، فتارة تكون تلك الأعمال بدنية كالصوم والصلاة، وتارة تكون مالية كالزكاة والصدقات فيطوع بالصدقة فضلا عن الزكاة عن استطاعته كما قال تعالى: { والذين لا يجدون إلا جهدهم } [التوبة: 79] وأن قلب المنافق مظلم بظلمات صفات النفس؛ لعدم نور الإيمان وروحه متوجه إلى الدنيا وزخارفها بتبعية النفس الأمارة بالسوء مطرودا بالخذلان قرين الشيطان، فيتأثر الخذلان وظلمة الشيطان تصعد من النفس ظلمة نفسانية تنفي القلب عن قبول الدعوة، وإجابة الرسول، واتباع الأوامر واجتناب النواهي بالصدق وتنبعث منه الخواطر النفسانية الظلمانية، فبذلك تمتع عن أداء الفرائض فضلا عن النوافل والتطوعات، ويعيب المطوعين من المؤمنين في الرياضات والذين لا يجدون إلا جهدهم وينظر إليهم وإلى أعمالهم وصدقاتهم بنظر الحقارة.
{ فيسخرون منهم سخر الله منهم } [التوبة: 79] ذكر سخرية المنافقين من المؤمنين بصيغة الاستقبال والحال، وذكر سخرية الله من المنافقين بصيغة الماضي يشير إلى أن سخريتهم من نتائج سخريته منهم وهي الخذلان؛ فالمعنى: أن خذلان الله إياهم وقعوا في سخرية المؤمنين، { ولهم عذاب أليم } [التوبة: 79] من الخذلان وهو القطيعة من الله تعالى.
अज्ञात पृष्ठ