तावीलात
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
[يوسف: 24]، وفيه إشارة: إلى أن لا يأمن السالك المحق مكر الله ولو بلغ أقصى مقامات الأنبياء والمرسلين، فلا يغلق على نفسه أبواب المجاهدات والرياضات ومخالفات النفس وهواها في كل حال، كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة الراشدين والصحابة والتابعين وأئمة السلف والمشايخ المتقدمين، ولا يفتح على نفسه أبواب التنعم والتمتع الدنيوي في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمركب والمسكن؛ لأنه كما أن الله تعالى جعل في مكان الغيب للسعداء ألطافا خفية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكذلك في مكامن الغيب للأشقياء أصنافا من البلايا خفية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فليحترز السالك الصادق بل البالغ الواصل والكامل الحاذق أن يتعرض لتلك البلايا بالتوسع في الدنيا والتبسط في الأحوال وتتبع الهوى.
فإن في قوله تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه } [الأعراف: 176] إشارة إلى أن الطالب الصادق وإن بلغ في سيره إلى الدرجة العليا والرتبة القصوى بحيث يستحق الرفعة الإلهية؛ وهي عبارة عن: اجتذابه من الأنانية إلى الهوية بالجذبات الربوبية، ثم يلتفت إلى ما سوى الحق، ويركن إلى شيء من الدنيا، ويميل إليها، [فتأخذه] الغيرة الإلهية وتستدرجه إلى أسفل دركة يماثل فيها الكلب، كما قال تعالى: { فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } [الأعراف: 176] يشير إلى أن يصير بالاستدراج بحيث أن نصحته ووعظته ونبهته عن حاله لم يقبل النصح ولم يتنبه، ويتسلك بالدعاوي ويتثبت بالأعداء ويقابلك بالإنكار ويسبك بالإعراض، وإن تركته في بلد الأرض البشرية ويتبع دعاوي الهوى فلا يغترن جاهل مغبون بأن اتباع الهوى لا يضره، فإن الله تعالى ما عذر الأنبياء عن إتباع الهوى وأوعدهم بالضلال كقوله تعالى:
يداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله
[ص: 26].
{ ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا } [الأعراف: 176]؛ أي: قوله: { كمثل الكلب } مثل قوم { الذين كذبوا بآياتنا }؛ والتكذيب بالآيات: ترك العمل بها، أو الغرور و[إنكار] ظهورها { فاقصص القصص } [الأعراف: 176] أخبرهم عن أحوال المغرورين الممكورين، { لعلهم يتفكرون } [الأعراف: 176] في أحوالهم ويحترزون عن أعمالهم، { سآء مثلا } [الأعراف: 177]؛ يعني: ويعملون ساء مثلا، { القوم الذين كذبوا بآياتنا } [الأعراف: 177]؛ لأن مثلهم { كمثل الكلب } ، { وأنفسهم كانوا يظلمون } [الأعراف: 177] بأنهم نزلوا عن مرتبة الملكية إلى الدركة الكلبية، ثم قال تعالى: { من يهد الله فهو المهتدي } [الأعراف: 178]؛ يعني: من أدركته العناية، وحقيقة الهداية اليوم؛ لئلا ينزل عن المراتب العلوية إلى المدارك السفلية فهو الذي أصابه رشاش النور الذي رش عليهم من نوره، وقال صلى الله عليه وسلم:
" من أصابه ذلك النور اهتدى ومن أخطأ فقد ضل "
، { ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون } [الأعراف: 178]؛ يعني: من خذله الله تعالى حتى اتبع هواه فأضله الهوى عن سبيل الله فهم الذين أخطاهم ذلك النور ولم يصبهم فوقعوا في الضلالة والخسران.
ثم أخبر عن أمارات المخلوقين لأجل النار وصفات الكفار بقوله تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس } [الأعراف: 179] يشير إلى أن الله تعالى خلق الخلق أطوارا، خلق طورا منها للقرب والمحبة؛ وهم: أهل الله وخاصته إظهارا للحسن والجمال، وكانوا به يسمعون كلامه ويبصرون جماله، وبه يعرفون كماله، وخلق طورا منها للجنة ونعيمها؛ وهم: أهل الجنة إظهارا للطف والرحمة، فجعل لهم قلوبا يفقهون بها دلائل التوحيد والمعرفة، وأعينا يبصرون بها آيات الحق في الآفاق والأنفس، وآذانا يسمعون بها خطاب الحق وكلامه ودعوة الأنبياء إلى الحق، وخلق أطوارا منها للنار وحجبها؛ وهم: أهل النار إظهارا للقهر والعزة، كما قال تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها } [الأعراف: 179]؛ يعني: دلائل التوحيد والمعرفة.
{ ولهم أعين لا يبصرون بها } [الأعراف: 179]؛ يعني: آيات الحق، { ولهم آذان لا يسمعون بهآ } [الأعراف: 179]، يعني: خطاب الحق بسمع القلوب، وفي الحقيقة كان يوم الميثاق هذا القول محجوبين عن شواهد بحجب الكبرياء والعزة فأثمرهم اليوم تلك البذر أثمار صفات، { أولئك كالأنعام } [الأعراف: 179]؛ لأن الأنعام لا يعرفون الله ليحبوه ويطلبوه فهم كذلك، { بل هم أضل } [الأعراف: 179]؛ لأنهم لم يكن للأنعام استعدادهم للمعرفة والطلب، وأنهم كانوا مستعدين للمعرفة والطلب فأبطلوا الاستعداد الفطري للمعرفة والطلب بالركون إلى شهوات الدنيا وزينتها وإتباع الهوى، فباعوا الآخرة بالأولى، والدين بالدنيا، وتركوا طلب المولى فصاروا أضل من الأنعام لإفساد الاستعداد، { أولئك هم الغافلون } [الأعراف: 179] عن الله وكمالات أهل المعرفة والطلب وعزتهم.
[7.180-186]
अज्ञात पृष्ठ