तावीलात
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
ألا له الخلق والأمر
[الأعراف: 54] فالله تعالى أرى إبراهيم عليه السلام ملكوت الأشياء والآيات المودعة فيها الدالة على التوحيد { وليكون من الموقنين } [الأنعام: 75]، بالوحدانية عند كشفها كما كان موقنا عند كشف الضلال المودع المستورة في ملكوت آزر وقومه { فلما جن عليه الليل } [الأنعام: 76]، أي: فلما كمل ظلمة ليل البشرية على نور روحانيته أمطر سحاب العناية مطر الهداية على أرض قلبه؛ فأنبت بذر الخلة المودعة في ملكوت قلبه التسليم على آفة فساد الاستعداد القابل لنور الرش فظهر حضرة القلب { رأى كوكبا } [الأنعام: 76]، أي: نور الرش في صورة الكوكب من أفق سماء روحانيته طالعا كشديد القوة الخيالية عند بقائها بعد كسوة الصورة الكوكبية المناسبة وانفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر كوكبه، فشاهد السر نور الرشد بإراءة الحق فوافق نظر الظاهر نظر السر في مشاهدة الكوكب من أفق السماء، فكوشف بتجلي نور الملكوت في مرآة الكوكب؛ إذ هو نور السماوات والأرض، وقال: { هذا ربي } [الأنعام: 76] أراد به سره المكوكب لا الكوكب، وإن تشعر به نفسه كما قيل: " هو في فؤادي، ولم يعلم به بدني والجسم في غربة والروح في وطن " ، فإن كذب النفس فيما قال الكوكب { هذا ربي } [الأنعام: 76] ما كذب الفؤاد وما رأى من المكوكب { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 76]؛ أي: فلما احتجب كوكب نور الرشد بغلبات صفات الخلقية عند رجوعه إلى أوصافه ووافقه كوكب السماء بالغروب { قال } [الأنعام: 76]، سره { لا أحب الآفلين } [الأنعام: 76]، وإنما أحب الذي لا يأفل { فلمآ رأى القمر بازغا } [الأنعام: 77]؛ أي: فلما اتسع انفتاح روزنة القلب إلى الملكوت بقدر القمر تجلى له نور الربوبية في مرآة القمر { قال هذا ربي فلمآ أفل } [الأنعام: 77]، عند رجوعه إلى أوصافه وازدياد الكشوف { قال لئن لم يهدني ربي } [الأنعام: 77]، يرفع حجب الأوصاف ويقيني على وجود الخلقية { لأكونن من القوم الضالين } [الأنعام: 77]، عن الحق كأبي وقومه { فلما رأى الشمس بازغة } [الأنعام: 78]؛ أي: فلما انحرفت حجب الأوصاف وخرجت شمس الهداية من غيم البشرية وأشرقت أرض القلب بنور ربها { قال هذا ربي } [الأنعام: 78]، وإنما قال هذا، وما قال هذه لأنه أراد به نور الربوبية الذي تجلى له في مرآة الشمس لا الشمس؛ لأنه لم يؤنثه كما أنث قوله تعالى فلما رأى الشمس بازغة يدل عليه قوله: { هذآ أكبر } [الأنعام: 78]، ولا أكبر على الحقيقة إلا الله { فلمآ أفلت } [الأنعام: 78]، شمس الهداية تفردا وتعظيما ليعرض إبراهيم عليه السلام عن شركة الأنانية، ويفني فيمن لا أقول له كما قيل:
إن شمس النهار تغرب باللي
ل وشمس القلوب ليس تغيب
شبرا عن الأضداد والأنداد، ونزعته همة الخلة عن الجهات والأكوان وخلقته تجلي صفة الجمال عن شبكة الوهم والخيال وأزعجته سطوات الجلال من مكامن الأنانية والإشراك { قال يقوم إني بريء مما تشركون } [الأنعام: 78].
ثم أخبر عن إخلاصه في خلاصه بقوله تعالى: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]، الآيتين الإشارة فيهما: أن مرآة قلب إبراهيم عليه السلام لما ملكت صفاتها وسلمت عن طبع الطبع، وتنزهت عن ظلمة هوى النفس وشهواتها وتخلصت عن الالتفات إلى الكواكب والأكوان يصيبها الشوق الجلي إلى الحضرة في مجازاتها المقدسة عن الجهة قال: { إني وجهت وجهي للذي فطر السموت والأرض } [الأنعام: 79]؛ أي: وجهت وجهي بالإعراض عما سوى الله إلى الله الذي هو خالق السماوات والأرض وكواكبها والأرض وما فيها لما أراني في ملكوتها آياتها المتشوقة إلى وجهه الباقي { حنيفا } [الأنعام: 79]، أي: مائلا ميلان أهل الخلقة ببذل الوجود في خليله { ومآ أنا من المشركين } [الأنعام: 79]، والمتلفتين إلى الأكوان المتدلين بالمخلوق على الخالق عاينت شواهد الحق بإرادته.
[6.80-82]
ثم قال تعالى: { وحآجه قومه } [الأنعام: 80]؛ أي: جادلوه ليسبلوا ستر ذيولهم على شموس عرفانه.
{ قال أتحجوني في الله } [الأنعام: 80]؛ أي: في معرفته يعني أترومون ستر الشموس بإسبال أكمامكم عليها؟ أو تريدون أن تسبلوا ذيولكم على ضياء نهار الشهود؟ { وقد هدان } [الأنعام: 80]، ربي إليه بالعيان وتوالى البرهان كما كان في مرامي إذ قلت
إني ذاهب إلى ربي سيهدين
अज्ञात पृष्ठ