तारीख तमद्दुन इस्लामी

जुर्जी ज़ैदान d. 1331 AH
165

तारीख तमद्दुन इस्लामी

تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الأول)

शैलियों

وللراية شأن كبير في الحرب، لأن الناس إنما يؤتون من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، وقد رأيت، في كلامنا عن حكومة الجاهلية، أنه كان في جملة مناصب قريش منصب اللواء، ويسمونه «العقاب» باسم رايتهم يومئذ، وكانوا إذا خرجوا إلى حرب أخرجوا الراية، فإذا اجتمع رأيهم على أحد سلموه إياها، وإلا فإنهم يسلمونها إلى صاحبها، وكان مرة من بني أمية ومرة من بني عبد الدار، ولعلهم سموا رايتهم «العقاب» اقتباسا من الروم، لأن العقاب أو النسر شارة الرومان، يرسمونها على أعلامهم وينقشونها على أبنيتهم، فاقتبسها العرب منهم.

وفي السيرة الحلبية أن المسلمين في غزوة بدر الكبرى كانت لهم ثلاث رايات: إحداها بيضاء دفعها النبي إلى مصعب بن عمير، والأخريان سوداوان إحداهما حملها علي بن أبي طالب، ويقال لها العقاب صنعت من مرط لعائشة (والمرط كساء من صوف أو خز تضعه المرأة على رأسها أو تأتزر به) والأخرى مع رجل من الأنصار، وأن أبا سفيان كان يحمل راية الرؤساء في تلك الواقعة، واسمها أيضا راية العقاب، فالظاهر أن العقاب كان اسما لصنف من الرايات، فقلدوا الروم بها وليس اسم واحدة منها.

ولما جاء الإسلام، وانتشر العرب في أنحاء الشام وفارس ومصر، وتعددت دولهم وقبائلهم، كثرت ضروب الألوية عندهم، وتنوعت أشكالها وتعددت ألوانها وأطالوها، وسموها بأسماء مختلفة: عقد أبو مسلم الخراساني عند قيامه بالدعوة العباسية لواء بعث به إليه إبراهيم الإمام يدعى «الظل» على رمح طوله أربعة عشر ذراعا، وعقد راية كان قد بعث بها إليه اسمها «السحاب» على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا، إرهابا للناس، ولما عقد المتوكل البيعة لبنيه سنة 235ه عقد لكل واحد منهم لواءين أحدهما أسود وهو لواء العهد والآخر أبيض وهو لواء العمل، ولما ولى المأمون الفضل بن سهل على المشرق كله وسلم إليه رئاسة الحرب والقلم وسماه ذا الرئاستين عقد له لواء على سنان ذي شعبتين. وجملة القول أن أشكال الألوية تعددت بتوالي الأزمان وتفاخر الخلفاء والسلاطين بتعدادها، فقد بلغ عدد رايات العزيز بالله الفاطمي لما خرج إلى فتح الشام 500 راية و500 بوق، وربما نقشوا على الرايات أسماء الخلفاء أو السلاطين أو الأمراء الذين يتولون قيادة الجند، كما كتب ابن بجكم على رايته «الرائقي» نسبة إلى ابن رائق . (6-2) ألوان الرايات

لا نعرف ماذا كانت ألوان الرايات في الجاهلية سوى راية «العقاب»، فقد تقدم أنها كانت سوداء، وكذلك كانت راية النبي، وذكر صاحب «آثار الأول» أنه كانت له أيضا ألوية بيضاء، أما الراية الإسلامية، فقد كانت ألوانها تختلف باختلاف الدول، فكانت أعلام بني أمية حمراء، وكل من دعا إلى الدولة العلوية فعلمه أبيض، ومن دعا إلى بني العباس فعلمه أسود، والسواد شعار العباسيين على الإطلاق، اتخذوه حزنا على شهدائهم من بني هاشم ونعيا على بني أمية في قتلهم، ولهذا سموا المسودة، ولما افترق الهاشميون وخرج الطالبيون على العباسيين في كل جهة وعصر، ذهبوا إلى مخالفتهم في ذلك، فاتخذوا الرايات بيضاء وسموا المبيضة، والظاهر أن شعار دعاة بني هاشم من الشيعة كان الخضرة، لأن المأمون لما بايع لعلي بن موسى بولاية العهد أمر جنده بطرح السواد ولبس الثياب الخضر، حتى إذا رجع عن البيعة عاد إلى السواد.

راية الناصر الموحدي في موقعة العقاب.

وأما ملوك البربر في المغرب، من صنهاجة وغيرها، فلم يختصوا في راياتهم بلون واحد بل وشوها بالذهب، واتخذوها من الحرير الخالص ملونة، وفي دير بظاهر مدينة برغوس في الأندلس راية من الحرير الأحمر المطرز بالنقوش الجميلة، وعليها كتابات كثيرة وآيات قرآنية، وقد نشرها غستاف لوبون في كتابه «تاريخ تمدن العرب» وسماها: راية الموحدين، لكن صديقنا المأسوف عليه روحي بك الخالدي بعث إلينا بنسخة من صورة هذه الراية سنة 1907 وقال في جملة وصفها: «وأظن هذه الراية كانت بابا لخيمة المنصور، لأنها أشبه بباب الخيمة منها بالراية».

وأما دول الأتراك في المشرق فكانوا يتخذون راية واحدة للسلطان، في رأسها خصلة كبيرة من الشعر يسمونها الشالش والجتر وهي شعار السلطان عندهم، ثم تعددت الرايات، ويسمونها سناجق واحدها سنجق وهو الراية في لسانهم، والراية العثمانية حمراء عليها صورة الهلال، واختلفوا في أصل هذه الشارة بين أن يكون الأتراك اقتبسوها من الروم بعد فتح القسطنطينية، أو أنهم جاءوا بها من بلادهم من تركستان. (6-3) عقد اللواء

كان الخلفاء في صدر الإسلام إذا وجهوا جيشا إلى حرب عقدوا له الألوية وسلموها إلى الأمراء، لكل أمير راية قبيلته، ويدعون لهم بالنصر ويوصونهم بالصبر والجلاد، وكان عمر بن الخطاب إذا عقد لواء يقول وهو يعقده «بسم الله وبالله وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله، وما النصر إلا من عند الله ولزوم الحق والصبر، فقاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجبنوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرما ولا امرأة ولا وليدا، وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان، وعند شن الغارات».

وكان لكل خليفة أسلوب في الدعاء والوصاية، والمرجع واحد فيها كلها، وكانوا يعقدون الألوية أيضا للعمال إذا ولوهم الأمصار، وخصوصا في أوائل الإسلام، لأن العامل كان قائد الجند، وكانوا يعقدونها على حساب النجوم، فيختارون أحد الاقترانات على زعمهم، وكان العباسيون إذا عقدوا لواء لقائد أو صاحب جند أو صاحب ثغر، خرج إلى بعثه أو عمله من دار الخليفة أو من داره، في موكب من أصحاب الرايات والطبول، حتى لا يميز بين موكب العامل وموكب الخليفة إلا بكثرة الألوية وقلتها، أو بما اختص به الخليفة من الألوان لراياته.

وكان للدولة الفاطمية بمصر دار يقال لها «خزانة البنود» كانوا يختزنون فيها الأعلام والرايات والدرق، وكانوا ينفقون عليها 80 ألف دينار كل سنة، ظلوا على ذلك قرنا كاملا، وكل ما صنع من الأعلام بقي متراكما فيها ومعه الأسلحة بأنواعها، والسروج واللجم، وفيها المفضض والمذهب، ثم احترقت الخزانة فاحترق كل ما كان فيها من هذه الأمتعة والآلات، وكان يقدر بثمانية ملايين دينار، ولم يستطيعوا إخراج غير القليل منها، وفي جملة ذلك لواء كانوا يسمونه «لواء الحمد». (7) الموسيقى

अज्ञात पृष्ठ