तारीख तमद्दुन इस्लामी
تاريخ التمدن الإسلامي (الجزء الأول)
शैलियों
1
فإذا اعتبرت مقادير هذه الرواتب وقابلتها برواتب هذه الأيام، رأيت الفرق عظيما، فإذا قدرنا الدرهم بأربعة قروش ونصف القرش - وهي قيمة على وجه التقريب - كان راتب أعظم رجال الإسلام لا يزيد على خمسة آلاف درهم، أي نحو مائتي جنيه في السنة، وإذا اعتبرنا المسلمين كلهم جندا ، كان المهاجرون والأنصار ضباط ذلك الجند ومنهم عمر نفسه، وأما الجنود فهم الذين عبرنا عنهم «بسائر المسلمين على اختلاف طبقاتهم»، ورواتب هؤلاء أقل كثيرا من رواتب أولئك، فإنها تختلف من ثلاثمائة إلى خمسمائة درهم، باختلاف بعض الاعتبارات من حيث القبيلة وجهادها ومقدار فضلها في الإسلام، وبناء عليه تكون رواتب ضباط الجند الإسلامي - على عهد عمر - من أربعة آلاف إلى خمسة آلاف درهم في العام، ورواتب العساكر من ثلاثمائة إلى خمسمائة درهم، غير ما كان يدفع لنسائهم وأولادهم، وما فرض لهم من الحنطة، وهو جريبان لكل واحد في الشهر، والجريب 3600 ذراع مربع، ويراد به ما ينبت في تلك المساحة. وخلاصة ذلك أن رواتب صغار الجند في أوائل الإسلام كانت تزيد على رواتب أنفار جنود هذه الأيام، وبعكس ذلك رواتب ضباطهم. (2-2) أعطيات الجند في الدولة الأموية
وظلت أعطيات الجند على هذا القدر في أيام الراشدين، فلما طمع بنو أمية في الملك واحتاج معاوية إلى الاعتزاز بالعرب، كان في جملة ما استخدمه في سبيل اجتذابهم إلى جانبه المال، فزاد أعطيات الجند، وكان جنده ستين ألفا، ينفق عليهم ستين مليون درهم في العام، فيلحق كل رجل ألف درهم، وذلك أكثر من ضعفي ما فرضه عمر.
وكان في مقدمة القبائل التي أخذت بيده وحاربت عنه وأيدت دعوته قبائل اليمن، وهي إنما فعلت ذلك رغبة في العطاء، لأنه كان يحارب بهم عربا آخرين، فلم يكن الجهاد دافعهم إلى الانضمام إليه، فجعل معاوية اليمنية فرقة قائمة بنفسها وعدتهم ألفا فارس ، وفرض لهم عطاء مضاعفا، وجعلهم جندا مستقلا لا يختلطون بسواهم، وكان يستشير أمراءهم ويقربهم، فاستفحل أمر اليمنية حتى عرضوا بذكر فضلهم على دولة بني أمية، وأنهم لو شاءوا لأخرجوا المضرية من الشام (وفيهم بنو أمية) فندم معاوية على اختصاصهم بذلك الامتياز، وقرب منه القيسية وأعطاهم مثل عطائهم، وصار يغزو البحر باليمنية والبر بالقيسية، فشق ذلك على اليمنية، لأن القيسية من مضر، فعاتبوه فجمع بين القبيلتين وأغزاهم معا.
ولم يكن معاوية يعتمد على المال في استرضاء الجند فقط ، بل كان يستخدمه في اصطناع الأحزاب وتخفيف ويلات المتعصبين عليه، فكان كثيرا ما يأمر عماله بزيادة أعطيات أناس يعرض أنهم على غرض علي، وكان عماله لا ينفذون أوامره لقصور إدراكهم عن غرضه، ومن هذا القبيل أن أهل الكوفة كانوا من أشد الناس تعصبا لعلي، فأمر معاوية عامله عليها - النعمان بن بشير - أن يزيد في أعطيات أهلها عشرة دنانير، فأبى النعمان أن ينفذها لهم فلم ينفعه ذلك.
وظل هذا شأن العطاء أيام يزيد ومروان وعبد الملك، وكان عبد الملك يبالغ في الإنفاق، تأييدا لأحزابه في مقاومة دعاة الخلافة في أيامه، فإن الحجاج سير الجند إلى رتبيل بإذن عبد الملك، وكان عددهم أربعين ألفا أنفق عليهم مليوني درهم سوى أعطياتهم، فضلا عما أعطاه لكبارهم، ولما تولى الوليد بن يزيد زاد العطاء عشرة دراهم يوم خلافته، ولعله فعل ذلك إرضاء للجند، لما كان هو فيه من الاعوجاج والإسراف، وفي أواخر دولة بني أمية قلت الرواتب، حتى صارت في آخرها خمسمائة درهم. (2-3) أعطيات الجند في الدولة العباسية
فلما آلت الخلافة إلى بني العباس جعل السفاح رزق الجندي ثمانين درهما في الشهر (960 درهما في السنة) فكأنه أرجعه إلى ما كان عليه في أوائل بني أمية، وكان للفارس ضعفا هذا الراتب لينفق نصفه على فرسه، ويظهر أن الرواتب لم ترتفع بارتقاء الدولة العباسية بل هي أخذت في التناقص، فصارت في أيام المأمون عشرين درهما في الشهر للراجل وأربعين للراكب، فكان جيش عيسى بن محمد بن أبي خالد عام 201ه 125 ألف فارس، فأعطى الفارس أربعين درهما والراجل عشرين، وزد على ذلك أن قيمة الذهب كانت قد ارتفعت عما كانت عليه في أوائل الإسلام، وكان الدينار في أيام عمر يساوي عشرة دراهم فأصبح في أيام المأمون يساوي 15 درهما.
فرأيت مما تقدم أن الرواتب زادت في دولة بني أمية عما كانت عليه في أيام الراشدين، ثم نقصت في أيام بني العباس، والسبب في ذلك أن بني أمية زادوها ترغيبا لقبائل العرب في خدمتهم، لتأييد سلطانهم كما تقدم، وأما في أيام بني العباس فكان العرب قد انتشروا في أنحاء البلاد واختلطوا بالأعاجم، وعمل العباسيون على الاستكثار من هؤلاء، لأنهم ساعدوهم على إنشاء دولتهم، فأصبحت الدولة العباسية مخيرة في استخدام من شاءت من الفئتين في جندها، وكان الأعاجم يرضون بالراتب القليل، ومع ذلك فهو أضعاف ما كان يدفعه الروم لجندهم إذا صح ما نقله ابن خرداذبه، فقد ذكر أن راتب الجندي عندهم كان يختلف من 18 إلى 12 دينارا في السنة، وكانوا لا يستولون على رواتبهم إلى كل ثلاث سنوات أو أربع، وأما رواتب الجند العرب فقد كانت تدفع في أوقاتها، إلا في أواخر الدولة العباسية فقد كانت تتأخر وتتراكم، ويفوز بالخلافة من يتمكن من إرضاء الجند، شأن الدول في دور انحطاطها. (2-4) عطاء الجند في الدولة التركية
وما زال العطاء يدفع نقدا إلى أيام الدولة السلجوقية، فصار يعطى إقطاعا، وأول من فعل ذلك نظام الملك الطوسي وزير آل سلجوق (توفي سنة 485ه) وكان رجلا عظيما وزر للدولة السلجوقية وأدخل فيها إصلاحات جمة، وهو أول من أنشأ المدارس في بغداد، وله فيها المدرسة التي تعرف باسمه (المدرسة النظامية)، وكان وزيرا لألب أرسلان ثم لابنه ملك شاه المشهور، فصار أمر الدولة كله لنظام الملك وليس للسلطان إلا التخت والصيد، فأقام على ذلك عشرين سنة، وكان عاقلا حسن القصد، ورأى الدولة السلجوقية قد اتسع نطاقها فأحب أن يحفظها بالإقطاع، فحولها إلى إقطاعات سلمها إلى الجند، لاعتقاده أن تسليم الأرض إلى المقطعين يضمن عمارتها لاعتناء مقطعيها بأمرها، بخلاف ما إذا شمل جميع أعمال المملكة ديوان واحد، فإن الخرق يتسع ويدخل الخلل في البلاد، ففعل نظام الملك ذلك، وعمرت المملكة وكثرت الغلات، واقتدى بفعله من جاء بعده من الملوك والسلاطين، إلى أوائل القرن الماضي.
واختلفت غلات الأمراء من إقطاعاتهم، فقد بلغت غلة إقطاع بعض أكابر أمراء المئين في دولة المماليك نحو 200000، ويليهم من غلتهم نصف ذلك أو ربعه، وأما أمراء العشرات فنهايتها سبعة آلاف دينار، إلى ما دون ذلك، أما جند الخليفة فمنهم من يبلغ إقطاعه 1500 دينار وما دون ذلك إلى 250 دينارا،
अज्ञात पृष्ठ