तारीख मिस्र हादिथ
تاريخ مصر الحديث: من الفتح الإسلامي إلى الآن مع فذلكة في تاريخ مصر القديم
शैलियों
وكانت وزارة صلاح الدين في مصر سببا لاضطراب الصليبيين. أما نور الدين فركب عمارة مصرية، وجعل يطوف البحر المتوسط عند شطوط سوريا؛ ليمنع مرور الوافدين إلى الأرض المقدسة، ويستولي على ما يرد إلى الصليبيين من المؤن والذخائر. فتشاور الصليبيون في شأن ذلك فأقروا على إرسال بطريرك صور فريدريك مع يوحنا أسقف عكا؛ لاستمداد ملوك فرنسا وإنكلترا وصقلية وغيرهم من الأمراء المسيحيين فلم ينجح مسعاهم. غير أن إمبراطور القسطنطينية أرسل عمارة من مائة وخمسين شراعا مملوءة بالذخار والمؤن والعدة والرجال فاتحدت بجند عسقلان، وساروا برا وبحرا إلى مصر حتى إذا بلغوا الفرما جدوا بالسير حتى أتوا دمياط فعسكروا بينها وبين البحر في صفر سنة 565ه.
وكانت هذه الحملة تحت قيادة الملك أمري، فظن أنه يقدر على أخذ دمياط بالهجوم، لكنه رأى منها مقاومة ودفاعا ألزماه على إقامة الحصار فأقامه، ولم يكن أكثر فائدة له من الهجوم؛ لأن أهل دمياط كانوا كثيرين، ولم يبالوا بعدة الصليبيين وعددهم، وطال الحصار حتى نفدت مئونة الصليبيين فأرادوا العبور في النيل؛ ليأتوا بالزاد فأوقفهم سد أقامه المسلمون في عرض النهر، وهو عبارة عن سلسلة قوية من الحديد طرفها الواحد مشدود بمتاريس دمياط، والطرف الآخر ببرج هائل منيع الجانب من أبراج الحصار، وكانت الإمدادات ترد لحامية دمياط من القاهرة بسهولة، أما الصليبيون فكان انتظارهم للمدد من سوريا عبثا، فانتشر الجوع في معسكرهم، وقام الشقاق بين الفرنساويين منهم وهم الذين كانوا في سوريا، والروم الذين أتوا بالمدد في الأستانة، واشتد ذلك الاختلاف حتى أفضى إلى الانفصال التام بعد أن بلغ منهم الجوع مبلغا عظيما فكانوا يتخاصمون على كسرة، ويمضغون أفنان النخيل، ومما زاد شقاءهم: تكاثر الأمطار، وهبوب الزوابع على معسكرهم بدون انقطاع حتى أصبحوا كأنهم في طوفان عظيم، وحصل من تكاثر الإعصار نوء في النيل أسرع جريه فتزاحمت مراكب الصليبيين وتلاطمت، فلم يعد استخدامها ممكنا لوقوعها بين قوتين متضادتين الريح من جهة ومجرى النيل من جهة أخرى، فتكسر معظمها ثم انتشبت النار فيها فأحرقت ما بقي منها.
شكل 9-14: برج من أبراج الحصار.
فلما شاهد الإفرنج ذلك لم يروا بدا من العود على أعقابهم إلى سوريا صفر اليدين بعد أن تعاقدوا مع المسلمين أن لا يعارضهم معارض في سيرهم، وكان صلاح الدين قد أعد في القاهرة جيوشا؛ ليسير بها مددا إلى دمياط لكنها لم تبلغها حتى فارقت الجيوش الصليبية مراكزها فشق عليه ذلك، وعنف الأمراء الذين سمحوا لهم بالرجوع، ثم عاد إلى القاهرة.
وفي السنة التالية جرد صلاح الدين على سوريا؛ لمحاربة الذين ضافوه السنة الماضية فدخل فلسطين سنة 566ه فعلم أمري وهو في عسقلان أنه حاصر قلعة دارون، وهو دير قديم للنصارى على قمة جبل وعر على أربع أميال من غزة اتخذه الصليبيون معقلا، فأسرع الملك أمري؛ لمهاجمة صلاح الدين في ذلك المكان، وكان صلاح الدين قد علم بقدومه فسار لملاقاته فلاقاه في منتصف الطريق، وحاربه وغلبه، ونزل على غزة فاستولى عليها، واستبشر المسلمون بهذه الانتصارات، ولكنهم اكتفوا بهذا أخذا بالثأر فتركوا في غزة حامية، وعادوا إلى مصر فبلغوا القاهرة في أواخر السنة المذكورة.
ثم بلغ صلاح الدين أن الإفرنج احتلوا أيلة، وتحصنوا فيها فسار إليها ومعه عصبة من رجاله الأقوياء، وحمل معه مراكب مفككة ينقلها على الجمال، ولما وصل إلى البحر عند أيلة ركب تلك المراكب وأنزلها البحر، وهاجموا أيلة في ربيع الأول من السنة المذكورة برا وبحرا، وما زالوا عليها حتى فتحوها، وقتلوا من كان فيها من الصليبيين، وجعل فيها صلاح الدين جماعة من ثقاته، وقواهم بما يحتاجون إليه من سلاح وغيره، وعاد إلى القاهرة.
وكان لصلاح الدين نفوذ عظيم في مصر، ولم يكن الخليفة العاضد إلا اسما لغير مسمى، ولم يعد لديه إلا السلطة الدينية. فلاح لنور الدين أن يتخلص من سلطة الفاطميين فأوعز إلى صلاح الدين أن يقطع خطبتهم، ويخطب للخليفة العباسي. (11-13) الخطبة العباسية بمصر
وفي سنة 567ه جعل صلاح الدين الخطبة بمصر للخليفة العباسي بدلا من الفاطمي، ومعنى ذلك في اصطلاحهم أن مصر عادت إلى سيطرة العباسيين السنيين وخرجت من سلطة الفاطميين الشيعة، وكان صلاح الدين سنيا، وكيفية البيعة: أن صلاح الدين لما ثبتت قدمه بمصر ، وأزال المخالفين له، وضعف أمر الخليفة العاضد، وصار قصره يحكم فيه صلاح الدين ونائبه قراقوش، وكان من أعيان الأمراء الأسدية، وكلهم يرجعون إليه. فكتب إليه نور الدين محمود بن زنكي يأمره بقطع الخطبة العاضدية، وإقامة الخطبة للمستضيء بالله العباسي. فامتنع صلاح الدين، واعتذر بالخوف من قيام أهل الديار المصرية؛ لميلهم إلى العلويين، وكان صلاح الدين يكره قطع الخطبة لهم، ويريد بقاءهم خوفا من نور الدين؛ فإنه كان يخافه أن يدخل إلى الديار المصرية ويأخذها منه. فكان يريد أن يكون العاضد معه حتى إن قصده نور الدين امتنع به وبأهل مصر عليه، فلما اعتذر إلى نور الدين بذلك لم يقبل عذره، وألح عليه بقطع خطبته، وألزمه إلزاما لا فسحة له في مخالفته؛ لأنه على الحقيقة نائب نور الدين، واتفق أن العاضد مرض في هذا الوقت مرضا شديدا. فلما عزم صلاح الدين على قطع خطبته استشار أمراءه فمنهم من أشار به ولم يفكر في المصريين، ومنهم من خافهم إلا أنه لم يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين.
وكان قد دخل إلى مصر إنسان أعجي يعرف بالأمير العالم فلما رأى ما هم فيه من الأحكام، وأن واحدا لا يتجاسر يخطب للعباسيين قال: «أنا أبتدئ بالخطبة له.» فلما كان أول جمعة من المحرم صعد المنبر قبل الخطيب، ودعا للمستضيء بالله ففعلوا ذلك، ولم ينتطح فيها عنزان، وكتب بذلك إلى سائر بلاد مصر ففعلوا. (11-14) موت العاضد وانقضاء الدولة الفاطمية
وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أحد من أهله وأصحابه بقطع الخطبة، وقالوا: إن عوفي فهو يعلم، وإن توفي فلا ينبغي أن نفجعه بمثل هذه الحادثة قبل موته. فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم بقطع الخطبة، ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء، واستولى على قصر الخلافة وما فيه فحفظه بهاء الدين قراقوش، وكان قد رتبه قبل موت العاضد.
अज्ञात पृष्ठ