तारीख मिस्र हादिथ
تاريخ مصر الحديث: من الفتح الإسلامي إلى الآن مع فذلكة في تاريخ مصر القديم
शैलियों
فلما علم ضرغام بقدوم شاور ومن معه ومطاليب الصليبيين اضطرب، وأصبح الناس في 29 جمادى الأولى سنة 559ه خائفين على أنفسهم وأموالهم، فجمعوا الأقوات والماء، وتحولوا من مساكنهم، وخرج همام بالعسكر في أول جمادى الآخرة فسار إلى بلبيس، وكانت له وقعة مع شاور انهزم ضرغام فيها، وصار إلى شاور وأصحابه جميع ما كان مع عساكر همام، وأسروا عدة، ونزل شاور بمن معه إلى التاج (قليوب) بظاهر القاهرة يوم الخميس 6 جمادى الآخرة.
فجمع ضرغام الناس، وضم إليه الطائفة الريحانية والطائفة الجيوشية من الجند بداخل القاهرة، وشاور مقيم في التاج أياما، ثم سار شاور ونزل في المقس (الأزبكية) فخرج إليه عساكر ضرغام، وحاربه فانهزم هزيمة قبيحة، وسار إلى بركة الحبش، ونزل بالشرف الذي عرف بعد ذلك بالرصد، وملك مدينة مصر (الفسطاط) وأقام بها أياما.
فأخذ ضرغام مال الأيتام الذي كان بمودع الحكم فكرهه الناس واستعجزوه، ومالوا مع شاور، فتنكر منهم ضرغام، وتحدث بإيقاع العقوبة بهم فزاد بغضهم له، ونزل شاور في أرض اللوق خارج باب زويلة، وطارد رجال ضرغام، وزحف إلى باب سعادة، وباب القنطرة، وطرح النار في منظرة اللؤلؤة وما حولها من الدور، وعظمت الحروب بينه وبين أصحاب ضرغام، وفني كثير من الطائفة الريحانية، فبعثوا إلى شاور ووعدوه أنهم عون له فانحل أمر ضرغام، فأرسل العاضد إلى الرماة يأمرهم بالكف عن الرمي فخرج الرجال إلى شاور، وصاروا من جملته، وفترت همة أهل القاهرة، وأخذ كل منهم يعمل الحيلة في الخروج إلى شاور، فأمر ضرغام بضرب الأبواق والطبول ما شاء الله من فوق الأسوار فلم يخرج إليه أحد، وتفرق عنه الناس فسار إلى باب الذهب من أبواب القصر ومعه 500 فارس، فوقف وطلب من الخليفة أن يشرف عليه من الطاق، وتضرع إليه، وأقسم عليه بآبائه فلم يجبه أحد، وظل واقفا إلى العصر والناس تنحل عنه حتى بقي في نحو 30 فارسا فوردت عليه رقعة مكتوب فيها: «خذ نفسك وانج بها.» وإذا بالأبواق والطبول قد دخلت من باب القنطرة ومعها عساكر شاور فمر ضرغام إلى باب زويلة فصاح الناس عليه ولعنوه، وتخطفوا من معه، وأدركه القوم فأردوه عن فرسه قريبا من الجسر الأعظم فيما بين القاهرة ومصر القديمة قرب جامع السيدة نفيسة، واحتزوا رأسه في غاية جمادى الآخرة، وفر منهم أخوه إلى جهة المطرية فأدركه الطلب، وقتل عند مسجد تبر خارج القاهرة، وقتل أخوه الآخر عند بركة الفيل، وبقي ضرغام ملقى على الأرض يومين، ثم حمل إلى القرافة ودفن بها، وكانت وزارته 9 أشهر، وكان من أجل أعيان الأمراء، وأشجع فرسانهم، وأجودهم لعبا بالكرة، وأشدهم رميا بالسهام، وكان له مع ذلك خط ابن مقلة، وكان ينظم الموشحات الجيدة، ولما جيء برأسه إلى شاور رفع على قفاه، وطيف به فقال الفقيه عمارة:
أرى جنك الوزارة صار سيفا
يحز بحده جيد الرقاب
كأنك رائد البلوى وإلا
بشير بالمنية والمصاب
وهكذا أعيدت وزارة مصر إلى شاور فاستلم زمامها، وصار يدفع للأتابك نور الدين ثلث محصولاتها مقابلة لما بذله في إعادتها إليه. إلا أن الأتابك لم يكن هذا حد مطامعه في مصر فقد كان له بتلك الحملة غرضان؛ الأول: أن يقضي حق شاور؛ لأنه قصده مستنصرا، والثاني: أن يستعلم عن أحوال مصر؛ لأنه كان يبلغه أنها ضعيفة من جهة الجند، وأحوالها في غاية الاختلال فقصد الكشف عن حقيقة ذلك. (11-5) شاور وشيركوه
ولما أقيم شاور على مصر عقد بينه وبين أسد الدين شركوه اتفاقا سريا بشأن تسليم مصر، إلا أن الشيطان وسوس لشاور أنه قادر على دفع جيوش نور الدين فينال السلطة لنفسه فكتب إلى شيركوه أن يسير إلى سوريا. فأعاد الجواب بالامتناع، وطلب ما كان قد استقر بينهم فلم يجبه شاور إليه. فلما رأى ذلك أرسل إلى نوابه فتسلموا مدينة بلبيس، وحكم على البلاد الشرقية، فأرسل شاور إلى الصليبيين يستمدهم ويخوفهم من نور الدين إن ملك مصر، وكانوا قد أيقنوا بالهلاك إن تم ملكه لها.
فلما أرسل شاور يطلب منهم أن يساعدوه على إخراج أسد الدين من البلاد جاءهم فرج لم يحتسبوه، وسارعوا إلى تلبية دعوته ونصرته، وطمعوا في تملك الديار المصرية، وكان قد بذل لهم مالا على المسير إليه، وتجهزوا وساروا. فلما بلغ نور الدين ذلك سار بعساكره إلى أطراف بلادهم؛ ليمتنعوا عن المسير فلم يمنعهم ذلك لعلمهم أن الخطر في مقامهم إذا ملك أسد الدين مصر أشد. فتركوا في بلادهم من يحفظها، وسار ملك القدس في الباقين إلى مصر، وكان قد وصل إلى الساحل جمع كثير من الصليبيين في البحر؛ لزيارة بيت المقدس فاستعانوا بهم فأعانوهم فسار بعضهم معهم، وأقام بعضهم في البلاد لحفظها. فلما قارب الصليبيون مصر فارقها أسد الدين، وقصد مدينة بلبيس فأقام بها هو وعسكره، وجعلها له ظهرا يتحصن به، فاجتمعت العساكر المصرية والصليبية، ونازلوا أسد الدين شيركويه بمدينة بلبيس، وحصروه بها ثلاثة أشهر، وهو ممتنع بها مع أن سورها قصير جدا، وليس لها خندق ولا ما يحميها، وهو يغاديهم القتال ويراوحهم فلم يبلغوا منه غرضا، ولا نالوا منه شيئا. فبينما هم كذلك إذ أتاهم الخبر بهزيمة الصليبيين على حارم، وتملك نور الدين حارم، ومسيره إلى بانياس. فحينئذ سقط في أيديهم، وأرادوا العودة إلى بلادهم؛ ليحفظوها، فراسلوا أسد الدين في الصلح، والعودة إلى الشام، ومفارقة مصر، وتسليم ما بيده منها إلى المصريين فأجابهم إلى ذلك؛ لأنه لم يعلم ما فعله نور الدين بالشام بالفرنج، ولأن الأقوات والذخائر قلت عنده، وخرج من بلبيس في ذي الحجة.
अज्ञात पृष्ठ