ولا تزال أبصار اليهود تطمح إلى أورشليم وفلسطين، وهم يتخذون جميع الذرائع التي تمكنهم من العودة إليها فيضمون شتاتهم ويلمون شعثهم؛ حتى تكون منهم أمة تحتل بلادهم القديمة ومهوى أفئدتهم، حيث كان أجدادهم وأسلافهم من قبلهم، وفيها اليوم مستعمرات وملاجئ للأوروبيين منهم ابتاعها لهم بعض مثرييهم وكبار المحسنين منهم كبيت روتشيلد الشهير والبارون هرش، وقد بنى المهاجرون منهم هناك البيوت، وأقاموا المعامل وزرعوا الأراضي على الطرق الحديثة، وقد أخذوا يتقدمون هناك تقدما واضحا سريعا، وبعض اليهود في أوروبا يعمل على ابتياع فلسطين من الدولة العثمانية على أن دون ذلك موانع وحوائل لا محل لإثباتها هنا.
وبعد خراب أورشليم على يد تيطس ظل قسم من اليهود في بلاد اليهودية، ولم يمر بهم ثلاثون سنة حتى تقدموا وازداد عددهم وأثروا وأفلحوا، ولكن حب الثورة عاودهم فانتقضوا على الرومان مرة ثانية في بلدان مختلفة كقيروان وقبرص وما بين النهرين وفلسطين، وذلك بين سنة 115 وسنة 130ب.م، لكن الرومان قهروهم وأثخنوا فيهم قتلا وذبحا ونهبا، وأصبحت اليهودية قفرا بلقعا فبلغ عدد المدن الخربة والقرى 985، وهدم 50 حصنا وأبدل اسم أورشليم وحظر على اليهود السكن فيها كما تقدم، وعقب ذلك عصر راحة لليهود، إذ تولى القيصرية الرومانية أمبراطرة أحسنوا معاملتهم، وأحلوهم محلا رفيعا وأخذوا عنهم بعض طقوسهم كالختان والامتناع عن أكل لحم الخنزير، وظلوا في عيش رغد من ختام القرن الثاني إلى أن ملك قسطنطين الكبير سنة 330، فعاودتهم المصايب والإحن.
اليهود في بابل
وكان حظ الباقين منهم في بابل أفضل من نصيب إخوانهم في اليهودية، لا سيما تحت رعاية الدولة الفارسية، فكان لهم أمير منهم لقب بأمير السبي، وكانوا ينتخبونه من بيت داود ويؤدون له واجب الاحترام والإكرام كملك وهو خاضع للدولة الفارسية، وأثرى كثيرون منهم في تلك البلاد، واحترفوا الحرف الكثيرة، فكان منهم التجار والصيارفة والصناع والحاكة والفلاحون والرعاة، وكانوا أمهر الناس في نسج الحلل البابلية المشهورة، وقام منهم جمهور غفير من العلماء الأعلام، ولا يعلم بالتأكيد ماذا حل بالذين أوغلوا في الشرق منهم، وإنما يؤكد أن جماعة منهم وصلوا إلى الصين حوالي القرن الأول من التاريخ المسيحي، وقد لقي مبشرو اليسوعيين بعض نسلهم هناك في القرن السابع عشر، ويرجح من بعض الأدلة أنهم جاءوا الصين عن طريق فارس، والظاهر أنهم أصابوا حظوة في عيون ملوك الصين، فتولى بعضهم أرفع الوظائف الملكية والعسكرية.
اليهود في أوروبا
أما في أوروبا فلم يكن نصيبهم فيها مثله في الشرق، فإن الأمبراطرة المسيحيين والبابوات أخذوا يتسابقون في نشر الأوامر الصارمة بشأنهم لخضد شوكتهم، فحظر عليهم أن يقبلوا مسيحيا في دينهم، أو يتزوجوا من المسيحيات، أو يكون لهم عبيد مسيحيون، وضربت عليهم الضرائب الباهظة، فلم تفلح جميع هذه الأوامر، فظل اليهود يزدادون عددا وثروة وجاها وانتشروا في إيليريا وإيطاليا وإسبانيا ومنوركا وغاليا وفي المدن الرومانية على ضفاف نهر الرين، واشتغلوا بالصناعة والزراعة والتجارة، ومع أن قسطنطين الكبير لقبهم في منشور قيصري «بالشعب المكروه»، فإن كثيرين منهم ارتقوا إلى أعلى المراتب الملكية والعسكرية، وكانت لهم محاكم خاصة بهم، هذا فضلا عما كان لهم من النفوذ الناتج عن الغنى والعلم، ولما تولى يوليانوس الملحد تخت الإمبراطورية أسبغ نعمه عليهم وأذن لهم ببناء الهيكل في أورشليم، لكنه مات قبل أن تتحقق أمانيهم من هذا القبيل، ثم عقب ذلك عصر أرهقوا فيه فصدر أمر في القرن الخامس للميلاد يحظر عليهم التجند في جيوش الإمبراطورية، ثم ألغيت زعامتهم الدينية في طبرية، وبعد سقوط الإمبراطورية الغربية استراح الذين كانوا منهم في إيطاليا وسيسيليا وسردينيا، فعاشوا دون أن يلحق بهم أذى، أما الذين كانوا في السلطنة الشرقية، فإنهم ذاقوا العناء واضطهدهم الإفرنج والقوط الإسبانيون في القرنين السادس والسابع.
اليهود في بلاد العرب
وأسس اليهود في الجنوب الغربي من بلاد العرب مملكة كبيرة عظم شأنها في القرن الثاني قبل الميلاد وهي مملكة حمير، ثم استولوا على اليمن، وتعاقب على حكومتها ملوك منهم إلى أن جاء الأحباش فطردوهم منها وأدخلوا النصرانية، وكانت بعض قبائل العرب تدين باليهودية، فلما ظهرت الدعوة الإسلامية لقي زعيمهم منهم عداوة شديدة فحاربهم وقهرهم، واستولى على خيبر سنة 627ب.م وأجلى اليهود العرب إلى سورية، وكان اليهود ناعمي البال برعاية الخلفاء والأمراء المسلمين، إلا أن المسلمين اضطهدوهم مرتين في المغرب سنة 790، وفي مصر سنة 1010ب.م، وإنما يقال بالإجمال: إن المسلمين عاملوهم بالحسنى واللطف، فنجح اليهود وأفلحوا ونبغ في تلك العصور كثير من الأطباء والفلكيين والمنجمين والكتاب والشعراء والخطباء والفلاسفة، لا سيما في الأندلس، ولهم اليد الطولى بفضل العرب في حظ بقايا معارف الأقدمين من اليونان والرومان ونشرها في أوروبا، لا سيما الفلسفة، وعهد إليهم الخلفاء بتعريب الكتب النفيسة في الطب وغيره عن اليونانية، وقد بقي شيء من هذه الترجمات في العربية على أن الأصل اليوناني فقد تماما.
اليهود في أماكن مختلفة وأحوالهم فيها
ولم يصادف اليهود في أوروبا وغيرها من حسن المعاملة ما لقوه من المسلمين، فكانت أيامهم في تلك القارة أيام محن ومصايب، فإن باسيل الثاني إمبراطور القسطنطينية أثار عليهم اضطهادا عنيفا في القرن الحادي عشر، ونقم عليهم الملوك الذين استولوا على بغداد بعد الخلفاء فقتلوا أمير السبي ونكلوا باليهود ففر جزء كبير منهم إلى إسبانيا، وأصاب الباقين من الذل والهوان ما أقعدهم عن طلب ما خسروه، وكانت أحوالهم في فرنسا مدة القرنين الثامن والتاسع أحسن منها في غيرها، لا سيما في باريس وليون ولانجودك وبروفتس، فكان لهم نفوذ عظيم في بلاط الملك لويس المعروف بالدبونير، على أنه لم تكد السلالة الكارلوفنجية تستقر على سرير الملك حتى فاجأهم الاضطهاد، فقام عليهم الملوك والأمراء والأساقفة وأذاقوهم العذاب ألوانا، وظل الأمر كذلك من القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع عشر وتاريخهم في ذلك العصر سلسلة مذابح واضطهاد، فكان أعداؤهم يشيعون عنهم أخبارا سيئة وتهما كاذبة كاتهامهم إياهم بسرقة الجسد المقدس وسرقة أولاد المسيحيين وقتلهم وإلقاء السم في آبار الشرب، وكان معظم كره معاصريهم لهم ناشئا عن تعاطيهم أعمال الصيرفة والربا، وقد قال أحد كتاب الإفرنج في ذلك: إن معظم اللوم في هذا الأمر عائد إلى جور الذين حظروا على اليهود اقتناء الأملاك والعقارات، ونهوهم عن الاشتغال بالحرف، فأجبروهم على توحيد أشغالهم وأعمالهم وصرف همتهم واجتهادهم في مجرى واحد على أن أعداءهم كانوا على الغالب يتخذون هذه التهم وسيلة للتخلص مما عليهم من الديون لليهود، كما فعل الملك لويس أغسطس، فإن اليهود أقرضوا الحكومة والكنيسة مبالغ كبيرة من المال، واسترهنوا منهما أملاكا ثمينة مقابل الدين، فلما أعيا الملك ورجال الكنيسة الأمر رأوا أن يستنبطوا ذريعة يتملصون مما عليهم، فأصدر لويس أمرا يقضي بإلغاء ذلك الدين بأسره وبرد الرهن، وأجبر اليهود على إرجاع صكوك الرهن وعقوده، ثم أمر بطردهم من فرنسا، فطردوا منها قسرا بعد أن سلبهم أموالهم ظلما وعدوانا، لكنه عاد فرحب بهم بعد عشرين سنة لما بدا له من الحاجة إليهم.
अज्ञात पृष्ठ