तारीख अल-तबरी
تاريخ الطبري
وبلغ بهرام قدوم كسرى وتمليك الناس إياه فأقبل بجنده حثيثا نحو المدائن وأذكى أبرويز العيون عليه فلما قرب منه رأى أبرويز أن الترفق به أصلح فتسلح وأمر بندويه وبسطام وناسا كان يثق بهم من العظماء وألف رجل من جنده فتزينوا وتسلحوا وخرج بهم أبرويز من قصره نحو بهرام والناس يدعون له وقد احتوشه بندويه وبسطام وغيرهما من الوجوه حتى وقف على شاطئ النهروان فلما عرف بهرام مكانه ركب برذونا له أبلق كان معجبا به وأقبل حاسرا ومعه إيزدجشنس وثلاثة نفر من قرابة ملك الترك كانوا جعلوا لبهرام على أنفسهم أن يأتوه بأبرويز أسيرا وأعطاهم بهرام على ذلك أموالا عظيمة ولما رأى بهرام بزة كسرى وزينته والتاج يسايره معه درفش كابيان علمهم الأعظم منشورا وأبصر بندويه وبسطام وسائر العظماء وحسن تسلحهم وفراهة دوابهم اكتأب لذلك وقال لمن معه ألا ترون ابن الفاعلة قد ألحم وأشحم وتحول من الحداثة إلى الحنكة واستوت لحيته وكمل شبابه وعظم بدنه فبينا هو يتكلم بهذا وقد وقف على شاطئ النهروان إذ قال كسرى لبعض من كان واقفا أي هؤلاء بهرام فقال أخ لبهرام يسمى كردي لم يزل مطيعا لأبرويز مؤثرا له عمرك الله صاحب البرذون الأبلق فبدأ كسرى فقال إنك يا بهرام ركن لمملكتنا وسناد لرعيتنا وقد حسن بلاؤك عندنا وقد رأينا أن نختار لك يوما صالحا لنوليك فيه إصبهبذة بلاد الفرس جميعا فقال له بهرام وازداد من كسرى قربا لكني أختار لك يوما أصلبك فيه فامتلأ كسرى حزنا من غير أن يبدو في وجهه من ذلك شيء وامتد بينهما الكلام فقال بهرام لأبرويز يابن الزانية المربى في خيام الأكراد هذا ومثله ولم يقبل شيئا مما عرضه عليه وجرى ذكر إيرش جد بهرام فقرعه أبرويز بطاعة إيرش كات لمنوشهر جده وتفرقا وكل واحد منهما على غاية الوحشة لصاحبه
وكانت لبهرام أخت يقال لها كردية من أتم النساء وأكملهن وكان تزوجها فعاتبت بهرام على سوء ملافظته كانت لكسرى وأرادته على الدخول في طاعته فلم يقبل ذلك وكانت بين كسرى وبهرام مبايتة فيقال إنه لما كان من غد الليلة التي كان البيات فيها أبرز كسرى نفسه فلما رآه الأتراك الثلاثة قصدوه فقتلهم بيده أبرويز وحرض الناس على القتال فتبين فشلا فأجمع أبرويز على إتيان بعض الملوك للاستجاشة به فصار إلى أبيه وشاوره فرأى له المصير إلى ملك الروم فأحرز نساءه وشخص في عدة يسيرة فيهم بندويه وبسطام وكردي أخو بهرام فلما خرجوا من المدائن خاف القوم من بهرام أن يرد هرمز إلى الملك ويكتب إلى ملك الروم عنه في ردهم فيتلفوا فأعلموا أبرويز ذلك واستأذنوه في إتلاف هرمز فلم يحر جوابا فانصرف بندويه وبسطام وبعض من كان معهم إلى هرمز حتى أتلفوه خنقا ثم رجعوا إلى كسرى وقالوا سر على خير طائر فحثوا دوابهم وصاروا إلى الفرات فقطعوه وأخذوا طريق المفازة بدلالة رجل يقال له خرشيذان وصاروا إلى بعض الديارات التي في أطراف العمارة فلما أوطنوا إلى الراحة غشيتهم خيل بهرام يرأسها رجل يقال له بهرام بن سياوش فلما نذروا بهم أنبه بندويه أبرويز من نومه وقال له احتل لنفسك فإن القوم قد أطلوك قال كسرى ما عندي حيلة فأعمله بندويه أنه يبذل نفسه دونه وسأله أن يدفع إليه بزته ويخرج ومن معه من الدير ففعلوا ذلك وبادروا القوم حتى تواروا بالجبل فلما وافى بهرام بن سياوش اطلع عليه من فوق الدير بندويه وعليه بزة أبرويز فوهمه بذلك أنه أبرويز وسأله أن ينظره إلى غده ليصير في يده سلما فأمسك عنه ثم ظهر بعد ذلك على حيلته فانصرف به إلى جوبين فحبسه في يدي بهرام بن سياوش
पृष्ठ 465