402

فلما صار إلى مملكته حمله الأنف والحمية على معاودة إخشنوار فغزاه بعد أن نهاه وزراؤه وخاصته عن ذلك لما فيه من نقض العهد فلم يقبل منهم وأبى إلا ركوب رأيه وكان فيمن نهاه عن ذلك رجل كان يخصه ويجتبي رأيه يقال له مزدبوذ فلما رأى مزدبوذ لجاجته كتب ما دار بينهما في صحيفة وسأله الختم عليها ومضى فيروز لوجهه نحو بلاد إخشنوار وقد كان إخشنوار حفر خندق بينه وبين بلاد فيروز عظيما فلم انتهى إليه فيروز عقد عليه القناطر ونصب عليها رايات جعلها أعلاما له ولأصحابه في انصرافهم وجاز إلى القوم فلما التقى بعسكرهم احتج عليه إخشنوار بالكتاب الذي كتبه له ووعظه بعهده وميثاقه فأبى فيروز إلا لجاجا ومحكا وتواقفا فكلم كل واحد منهما صاحبه كلاما طويلا ونشبت بينهما بعد ذلك الحرب وأصحاب فيروز على فتور من أمرهم للعهد الذي كان بينهم وبين الهياطلة وأخرج إخشنوار الصحيفة التي كتبها له فيروز فرفعها على رمح وقال اللهم خذ بما في هذا الكتاب فانهزم فيروز وسها عن موضع الرايات وسقط في الخندق فهلك وأخذ إخشنوار أثقال فيروز ونساءه وأمواله ودواوينه وأصاب جند فارس شيء لم يصبهم مثله قط

وكان بسجستان رجل من أهل كورة أردشير خرة من الأعاجم ذو علم وبأس وبطش يقال له سوخرا ومعه جماعة من الأساورة فلما بلغه خبر فيروز ركب من ليلته فأغذ السير حتى انتهى إلى إخشنوار فأرسل إليه وآذنه بالحرب وتوعده بالجائحة والبوار فبعث إليه إخشنوار جيشا عظيما فلما التقوا ركب إليهم سوخرا فوجدهم مدلين فيقال إنه رمى بعض من ورد عليه منهم رمية فوقعت بين عيني فرسه حتى كادت النشابة تغيب في رأسه فسقط الفرس وتمكن سوخرا من راكبه فاستبقاه وقال له انصرف إلى صاحبك فأخبره بما رأيت فانصرفوا إلى إخشنوار وحملوا الفرس معهم فلما رأى أثر الرمية بهت وأرسل إلى سوخرا أن سل حاجتك فقال له حاجتي أن ترد علي الديوان وتطلق الأسرى ففعل ذلك فلما صار الديوان في يده واستنقذ الأسرى استخرج من الديوان بيوت الأموال التي كانت مع فيروز فكتب إلى إخشنوار أنه غير منصرف إلا بها فلما تبين الجد افتدى نفسه وانصرف سوخرا بعد استنقاذ الأسارى وأخذ الديوان وارتجاع الأموال وجميع ما كان مع فيروز من خزائنه إلى أرض فارس فلما صار إلى الأعاجم شرفوه وعظموا أمره وبلغوا به من المنزلة ما لم يكن بعده إلا الملك

وهو سوخرا بن ويسابور بن زهان بن نرسي بن ويسابور بن قارن بن كروان بن أبيد بن أوبيد بن تيرويه بن كردنك بن ناور بن طوس بن نودكا بن منشو بن نودر بن منوشهر

وذكر بعض أهل العلم بأخبار الفرس من خبر فيروز وخبر إخشنوار نحوا مما ذكرت غير أنه ذكر أن فيروز لما خرج متوجها إلى إخشنوار استخلف على مدينة طيسبون ومدينة بهرسير وكانتا محلة الملوك سوخرا هذا قال وكان يقال لمرتبته قارن وكان يلي معهما سجستان وأن فيروز لما بلغ منارة كان بهرام جور ابتناها فيما بين تخوم بلاد خراسان وبلاد الترك لئلا يجوزها الترك إلى خراسان لميثاق كان بين الترك والفرس على ترك الفريقين التعدي لها وكان فيروز عاهد إخشنوار ألا يجاوزها إلى بلاد الهياطلة أمر فيروز فصفد فيها خمسون فيلا وثلثمائة رجل فجرت أمامه جرا واتبعها أراد بذلك زعم الوفاء لإخشنوار بما عاهده عليه فبلغ إخشنوار ما كان من فيروز في أمر تلك المنارة فأرسل إليه يقول انته يا فيروز عما انتهى عنه أسلافك ولا تقدم على مالم يقدموا عليه فلم يحفل فيروز بقوله ولم تكرثه رسالته وجعل يستطعم محاربة إخشنوار ويدعوه إليها وجعل إخشنوار يمتنع من محاربته ويستكرهها لأن جل محاربة الترك إنما هو بالخداع والمكر والمكايدة وإن إخشنوار أمر فحفر خلف عسكره خندق عرضه عشرة أذرع وعمقه عشرون ذراعا وغمي بخشب ضعاف وألقى عليه ترابا ثم ارتحل في جنده فمضى غير بعيد فبلغ فيروز رحلة إخشنوار بجنده من عسكره فلم يشك في أن ذلك منهم انكشاف وهرب فأمر بضرب الطبول وركب في جنده في طلب إخشنوار وأصحابه فأغذوا السير وكان مسلكهم على ذلك الخندق فلما بلغوه أقحموا على عماية فتردى فيه فيروز وعامة جنده وهلكوا من عند آخرهم

पृष्ठ 415