285

وكان إصبهذ سجستان وما يليه من قبله يربيه ويكفله وأوصاه به فأخذه منه رستم فمضى به معه إلى موضع عمله سجستان فرباه رستم ولم يزل في حجره يجمع له وهو طفل الحواضن والمرضعات ويتخيرهن له حتى إذا ترعرع جمع له المعلمين فتخير له منهم من اختاره لتعليمه حتى إذا قدر على الركوب علمه الفروسية حتى إذا تكاملت فيه فنون الآداب وفاق في الفروسية قدم به على والده رجلا كاملا فامتحنه والده كيقاوس فوجده نافذا في كل ما أراد بارعا فسر به وكان كيقاوس تزوج فيما ذكر ابنة فراسياب ملك الترك وقيل بل إنها بنت ملك اليمن وكان يقال له سوذابة وكانت ساحرة فهويت سياوخش ودعته إلى نفسها وأنه امتنع عليها وذكرت لها ولسياوخش قصة يطول بذكرها الكتاب غير أن آخر أمرهما صار في ذلك فيما ذكر لي أن سوذابه لم تزل لما رأت من امتناع سياوخش عليها فيما أرادت منه من الفاحشة بأبيه كيقاوس حتى أفسدته عليه وتغير لابنه سياوخش فسأل سياوخش رستم أن يسأل أباه كيقاوس توجيهه لحرب فراسياب لسبب منعه بعض ما كان ضمن له عند إنكاحه ابنته إياه وصلح جرى بينه وبينه مريدا بذلك سياوخش البعد عن والده كيقاوس والتنحي عما تكيد به عنده زوجته سوذابه ففعل ذلك رستم واستأذن له أباه فيما سأله وضم إليه جندا كثيفا فشخص إلى بلاد الترك للقاء فراسياب فلما صار إليه سياوخش جرى بينهما صلح وكتب بذلك سياوخش إلى أبيه يعلمه ما جرى بينه وبين فراسياب من الصلح فكتب إليه والده يأمره بمناهضة فراسياب ومناجزته الحرب إن هو لم يذعن له بالوفاء بما كان فارقه عليه فرأى سياوخش أن في فعله ما كتب به إليه أبوه من محاربة فراسياب بعد الذي جرى بينه وبينه من الصلح والهدنة من غير نقض فراسياب شيئا من أسباب ذلك عليه عارا ومنقصة ومأثما فامتنع من إنفاذ أمر أبيه في ذلك ورأى في نفسه أنه يؤتى في كل ذلك من زوجة أبيه التي دعته إلى نفسها فامتنع عليها ومال إلى الهرب من أبيه فراسل فراسياب في أخذ الأمان لنفسه منه واللحاق به وترك والده فأجابه فراسياب إلى ذلك وكان السفير بينهما في ذلك فيما قيل رجلا من الترك من عظمائهم يقال له فيران بن ويسغان فلما فعل ذلك سياوخش انصرف عنه من كان معه من جند أبيه كيقاوس

فلما صار سياوخش إلى فراسياب بوأه وأكرمه وزوجه ابنة له يقال لها وسفافريد وهي أم كيخسرونة ثم لم يزل له مكرما حتى ظهر له أدب سياوخش وعقله وكماله وفروسيته ونجدته ما أشفق على ملكه منه فأفسده ذلك عنده وزاده فسادا عليه سعي ابنين له وأخ يقال له كندر بن فشنجان عليه بإفساد أمر سياوخش عنده حسدا منهم له وحذرا على ملكهم منه حتى مكنهم من قتله فذكر في سبب وصولهم إلى قتله أمر يطول بشرحه الخطب إلا أنهم قتلوه ومثلوا به وامرأته ابنة فراسياب حامل منه بابنه كيخسرونة فطلبوا الحيلة لإسقاطها ما في بطنها فلم يسقط وان فيران الذي سعى في عقد الصلح بين فراسياب وسياوخش لما صح عنده ما فعل فراسياب من قتله سياوخش أنكر ذلك من فعله وخوفه عاقبة الغدر وحذره الطلب بالثأر من والده كيقاوس ومن رستم وسأله دفع ابنته وسفافريد إليه لتكون عنده إلى أن تضع ما في بطنها ثم يقتله

ففعل ذلك فراسياب فلما وضعت رق فيران لها وللمولود فترك قتله وستر أمره حتى بلغ المولود فوجه فيما ذكر كيقاوس إلى بلاد الترك بي بن جوذرز وأمره بالبحث عن المولود الذي ولدته زوجة ابنه سياوخش والتأتي لإخراجه إليه إذا وقف على خبره مع أمه وأن بيا شخص لذلك فلم يزل يفحص عن أمر ذلك المولود متنكرا حينا من الزمان فلا يعرف له خبر ولا يدله عليه أحد

ثم وقف بعد ذلك على خبره فاحتال فيه وفي أمه حتى أخرجهما من أرض الترك إلى كيقاوس وقد كان كيقاوس فيما ذكر حين اتصل به قتل ابنه أشخص جماعة من رؤساء قواده منهم رستم بن دستان الشديد وطوس بن نوذران وكانا ذوي بأس ونجدة فأثخنا الترك قتلا وأسرا وحاربا فراسياب حربا شديدة وأن رست قتل بيده شهر وشهرة ابني فراسياب وأن طوسا قتل بيده كندر أخا فراسياب

وذكر أن الشياطين كانت مسخرة لكيقاوس فزعم بعض أهل العلم بأخبار المتقدمين أن ال شياطين الذين كانوا سخروا له إنما كانوا يطيعونه عن أمر سليمان بن داود إياهم بطاعته وأن كيقاوس أمر الشياطين فنوا له مدينة سماها كنكدر ويقال قيقذون وكان طولها فيما زعموا ثمانمائة فرسخ وأمرهم فضربوا عليها سورا من صفر وسورا من شبه وسورا من نحاس وسورا من فخار وسورا من فضة وسورا من ذهب وكانت الشياطين تنقلها ما بين السماء والأرض وما فيها من الدواب والخزائن والأموال والناس وذكروا أن كيقاوس كان لا يحدث وهو يأكل ويشرب

ثم إن الله تعالى بعث إلى المدينة التي بناها كذلك من يخربها فأمر كيقاوس شياطينه بمنع من قصد لتخريبها فلم يقدروا على ذلك فلما رأى كيقاوس الشياطين لا تطيق الدفع عنها عطف عليها فقتل رؤساءها وكان كيقاوس فيما أذكر مظفرا لا يناوئه أحد من الملوك إلا ظفر عليه وقهره ولم يزل ذلك أمره حتى حدثته نفسه لما كان أتى من العز والملك وأنه لا يتناول شيئا إلا وصل إليه بالصعود إلى السماء

पृष्ठ 298