سألت إلين: «لم يا ترى؟» «أظن أن جريمة القتل في حي كنارسي لها دخل في الأمر.» «ماذا حدث؟» «أمر فظيع. لقد رأيتها.» «أرأيت جريمة القتل؟» «لم أره يفعلها. ولكني رأيت جثثا ملقاة ومتيبسة قبل أن يأخذوها إلى المشرحة. اعتدنا في طفولتنا أن نسمي الرجل سانتا كلوز لأن له لحية بيضاء ... عرفته منذ أن كنت فتى صغيرا.» كانت السيارات بالخلف تصدر أصوات أبواقها مزمجرة وجاشة. «من الأفضل أن أتحرك ... ليلة سعيدة يا سيدتي.»
كان المدخل الأحمر تفوح منه رائحة الكركند، والمحار المطهو على البخار، وشراب الكوكتيل. «عجبا، مرحبا يا جاس ... دعيني يا إلين أقدم لك السيد والسيدة ماك نيل ... هذه هي الآنسة أوجليثورب.» صافحت إلين اليد الكبيرة لرجل أحمر العنق أفطس الأنف، ويد زوجته الصغيرة الدقيقة في قفازها. «سأراك يا جاس قبل أن نذهب ...»
كانت إلين تتابع الحلة ذات الذيل لرئيس الندل على طول حافة حلبة الرقص. جلسا إلى طاولة بجوار الجدار. كانت تعزف موسيقى أغنية «الكل يفعل هذا». همهم بالدوين باللحن وهو يميل فوقها لبرهة معدلا المعطف على ظهر كرسيها.
شرع في الحديث وهو جالس قبالتها: «إنك أجمل إنسانة يا إلين ... يبدو الأمر مروعا للغاية. لا أرى كيف يكون ذلك ممكنا.» «ماذا؟» «هذه الحرب. لا أستطيع أن أفكر في أي شيء آخر.» «أنا أستطيع ...» أبقت عينيها على القائمة. «هل لاحظت هذين الشخصين اللذين عرفتهما بك؟» «نعم. هل هما آل ماك نيل الذين يرد اسمهم في الصحف طوال الوقت؟ هناك بعض الجدل حول إضراب البنائين ومسألة سندات بين المناطق الإدارية.» «الأمر برمته يتعلق بالسياسة. أراهن أنه سعيد بالحرب، يا لجاس الهرم المسكين! سأفعل شيئا واحدا، وسيجعل هذا الجدل يختفي من الصفحات الأولى للصحف ... سأخبرك عنه في دقيقة ... لا أظن أنك تحبين المحار المطهو على البخار، أليس كذلك؟ إنه جيد جدا هنا.» «إنني أعشق المحار المطهو على البخار يا جورج.» «إذن سنتناول عشاء فاخرا على الطراز القديم لشاطئ لونج آيلاند. ما رأيك في ذلك؟» وهي تضع قفازاتها بعيدا على حافة الطاولة لامست يدها زهرية من ورود حمراء باهتة وصفراء. رفرف وابل من بتلات باهتة فوق يدها، وقفازها، والطاولة. فهزتها عن يديها. «واجعله يأخذ هذه الورود الرديئة بعيدا يا جورج ... أنا أكره الزهور الباهتة.»
ينحل البخار من الوعاء المطلي للمحار في الوهج الوردي للمصباح. راقب بالدوين أصابعها، وردية ورشيقة، وهي تجذب المحار من رقابها الطويلة لتخرجها من صدفاتها، وتغمسها في الزبد الذائب، وتلقي بها في فمها فتقطر فيه عصارتها. كانت منغمسة في تناول المحار. تنهد بالدوين. «إلين ... أنا رجل تعيس للغاية ... لرؤيتي لزوجة جاس ماك نيل. إنها المرة الأولى التي أراها فيها منذ سنوات. فلتتأملي الأمر؛ فلقد كنت مجنونا بحبها والآن لا أستطيع أن أتذكر اسمها الأول ... إنه أمر مضحك، أليس كذلك؟ كانت الأمور بطيئة للغاية منذ شرعت في العمل وحدي. لقد كان أمرا متسرعا؛ فقد كنت لتوي قد تخرجت قبل سنتين في كلية الحقوق ولم يكن معي المال للشروع في عمل. كنت أهيج في تلك الأيام. وكنت قد قررت أنه إذا لم أحصل على قضية في ذلك اليوم، فسأتخلص من كل شيء وأعود للعمل موظفا في مكتب للمحاماة. خرجت للتنزه كي أصفي رأسي ، ورأيت عربة بضائع تفرغ حمولتها في عربة حليب بالجادة الحادية عشرة. كانت فوضى مروعة، وعندما أوقفنا الرجل قلت لنفسي سأحصل له على التعويض المناسب أو أعلن إفلاسي في المحاولة. ربحت قضيته وجعلني هذا ألفت انتباه مختلف الأشخاص في وسط المدينة، وجعله هذا يبدأ مسيرته المهنية، وجعلني أيضا أبدأ مسيرتي.» «إذن كان يقود عربة حليب، أليس كذلك؟ أعتقد أن بائعي الحليب هم ألطف البشر في العالم. ولكن رجلي هو الألطف.» «لن تكرري هذا أمام أحد يا إلين ... إنني أثق فيك ثقة كاملة.» «هذا لطف منك يا جورج. أليس من المدهش كم تتشبه الفتيات كل يوم أكثر فأكثر بالسيدة كاسيل؟ فقط انظر حولك في هذه الغرفة.» «لقد كانت كالوردة البرية يا إلين، نابضة بالحيوية ومتوردة ومفعمة بالروح الأيرلندية، وهي الآن كامرأة صغيرة بدينة وقصيرة ويغلب عليها الطابع العملي.» «وأنت لا تزال تحتفظ بمظهرك اللائق كما كنت دوما. هكذا تسير الأمور.» «أتعجب ... أنت لا تعرفين كم كان كل شيء فارغا وأجوف قبل أن أقابلك. كل ما يمكنني أنا وسيسلي فعله هو أن نجعل حياة كل منا بائسة.» «أين هي الآن؟» «إنها في بلدة بار هاربور ... لقد حالفني الحظ وكل أنواع النجاح عندما كنت لا أزال شابا ... لم أبلغ الأربعين بعد.» «ولكني أظن أن الأمر لا بد وأنه رائع. لا بد أنك تستمتع بالعمل في المحاماة وإلا فلم تكن لتحقق فيه مثل هذا النجاح.» «أوه، النجاح ... النجاح ... ماذا يعني ذلك؟» «إنني أرغب في القليل منه.» «ولكنك تحققينه يا فتاتي العزيزة.» «أوه ليس هذا ما أعنيه.» «ولكن الأمر لم يعد ممتعا كما كان. فكل ما أفعله هو الجلوس في المكتب وترك الشباب يقومون بالعمل. مستقبلي مخطط له بالفعل. أظن أنه بإمكاني أن أتسم بالوقار والأبهة وأنغمس في بعض الرذائل الخاصة ... ولكني أفضل من أن أفعل ذلك.» «لماذا لا تمارس العمل بالسياسة؟» «ما الذي يجعلني أذهب إلى واشنطن للصيد في الماء العكر بينما أنا في الموقع الذي تصدر فيه الأوامر؟ المريع في أن تتركي نيويورك تتعفن بداخلك هو أنه لا يوجد مكان آخر. إنها قمة العالم. كل ما يمكننا فعله هو الدوران كما لو كنا في قفص سنجاب.»
كانت إلين تشاهد الناس في ملابسهم الصيفية الخفيفة يرقصون فوق المربع المشمع من الأرضية في المنتصف، ولمحت وجه توني هانتر البيضوي الأبيض المتورد يجلس إلى طاولة في الجانب البعيد من الغرفة. لم يكن أوجليثورب معه. جلس هيرف صديق ستان وظهره لها. شاهدته يضحك، وكان رأسه الأسود الطويل المجعد متأرجحا بعض الشيء بميل على رقبة هزيلة. لم تكن تعرف الرجلين الآخرين. «إلى من تنظرين؟» «ما هم سوى بعض أصدقاء جوجو ... أتعجب كيف وجدوا طريقهم إلى هنا. المكان لا يتناسب وذوقهم.»
قال بالدوين بابتسامة ساخرة: «الأمر دائما يسير هكذا عندما أحاول الابتعاد عن شيء ما.» «أرى أنك فعلت بالضبط ما كنت تريده طوال حياتك.» «أوه يا إلين، فقط لو تركتني أفعل ما أريده الآن. أريدك أن تدعيني أسعدك. يا لك من فتاة صغيرة وشجاعة تشقين طريقك بمفردك تماما بطريقتك! أقسم أنك مفعمة بالحب والغموض والبريق ...» تلعثم، وأخذ جرعة كبيرة من النبيذ، وواصل حديثه بوجه متورد. «أشعر وكأنني تلميذ في المدرسة ... أبدو أحمق. إلين، سأفعل أي شيء في العالم من أجلك.» «حسنا، كل ما سأطلبه منك هو أن تصرف هذا الكركند بعيدا. أظنه ليس جيدا جدا.» «اللعنة ... ربما هو ليس كذلك ... أيها النادل ... كنت أثرثر كثيرا لدرجة أنني لم أكن أعلم أنني كنت أتناوله.» «يمكنك أن تجلب لي بعض الدجاج الممتاز بدلا منه.» «بالتأكيد يا صغيرتي المسكينة لا بد أنك تتضورين جوعا.» «... وكوزا من الذرة ... أعي الآن كيف أصبحت محاميا جيدا يا جورج. فأي هيئة محلفين كانت ستجهش في البكاء قبل وقت طويل عند سماعها مثل هذا الاستعطاف الجياش.» «وماذا عنك أنت يا إلين؟» «أرجوك يا جورج لا تسألني.» •••
على الطاولة حيث جلس جيمي هيرف كانوا يشربون الويسكي ومشروبا غازيا. وكان ثمة رجل ذو بشرة صفراء بشعر فاتح وأنف رفيع يقف منحنيا بين عيون زرقاء طفولية ويتحدث في رتابة وسرية: «صدقا ، لقد أرغمتهم على سماع الحق. إنهم في قسم الشرطة مجانين، مجانين تماما ليتعاملوا مع الأمر على أنه حالة اغتصاب وانتحار. هذا الرجل الهرم وابنته الجميلة البريئة قد قتلا، قتلة بشعة. وهل تعرف من ...؟» أشار بإصبع ممتلئ عليه آثار رماد سجائر إلى توني هانتر.
قال مسقطا رموشه الطويلة على عينيه: «لا تستجوبني بالإكراه فأنا لا أعرف أي شيء عن الأمر.» «إنها عصابة اليد السوداء.»
قال جيمي هيرف ضاحكا: «أخبرهم يا بولوك.» أنزل بولوك قبضته على الطاولة بقوة جلجلت الأطباق والأكواب. «إن حي كنارسي مليء بأعضاء عصابة اليد السوداء، وبالفوضويين، والخاطفين، والمواطنين غير المرغوب فيهم. إنها مسئوليتنا أن نتصدى لهم ونصون شرف هذا الرجل الهرم المسكين وابنته الحبيبة. سندافع عن شرف ذلك الرجل الهرم المسكين ذي وجه قرد، ما اسمه؟»
अज्ञात पृष्ठ