فهذه أربعةُ أقوالٍ في الحديث، وأصَحُّها أنَّ المراد بالعذاب: العذابُ النَّفْسِيُّ، وليس العذابَ البَدَنِيَّ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨].
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾: ﴿ثُمَّ﴾ يعني بعد الشُّكْر من الشاكر، والكفر من الكافر، يكن إلى الله وحده المَرْجِع.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ في هذه الجملة حَصْر، طريقُهُ: تقديم ما حقُّه التَّأخير؛ لأنَّ قوله: إلى ربِّكم؛ خبرٌ مُقَدَّم، ومَرْجِعُكُم؛ مبتدأ مؤخَّر.
وقوله: ﴿إِلَى رَبِّكُمْ﴾ ولم يَقُلْ: إلى الله؛ لأنَّ المقام هنا مقام رُبُوبِيَّة؛ لأنَّ الرَّبَّ هو المالِكُ المُتصَرِّف الخالق، فكان المناسِبُ أن يقول: إلى ربِّكم، ولو قال: إلى الله مَرْجِعُكم لصَحَّ؛ لأنَّ الله تعالى أيضًا هو المستحِقُّ للعبادة، ولا يستحِقُّ العبادَةَ إلا مَن كان ربًّا.
وقوله: ﴿مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة، ولكن اعْلَمْ أنَّ كل مَن مات فقد قامت قيامته؛ لأنَّه انتقل من دار العَمَل إلى دار الجزاء.
قال شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّةَ ﵀ في (العقيدة الواسِطِيَّة): "ومن الإيمان باليَوْمِ الآخِرِ: الإيمانُ بكلِّ ما أخبر به النَّبِي ﷺ مما يكون بعد الموت" (١)، مع أنَّ الذي يكون بعد المَوْت قبل قيامِ السَّاعة، لكن مَن مات فقد قامت قيامَتُه.
قال تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ يُنَبَّئُكم: يُخْبِرُكم، لكن قد قيل: إنَّ النَّبَأَ لا يكون إلا في الأَمْرِ الهامِّ، بخلاف الخبر، فيكون حتى في الأمور التَّوافِهِ؛ وقال بعض العلماء: هما بمعنًى واحِدٍ.