تفسير الشعراوي

الشعراوي d. 1418 AH
78

تفسير الشعراوي

تفسير الشعراوي

शैलियों

وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم..

[التوبة: 103]. أي: راحة واطمئنانا ورحمة، فالإنسان يريد في بيته أن تكون الحياة فيه مريحة له من عناء العمل وصخب الحياة. ويقول الحق سبحانه وتعالى: { اسكن أنت وزوجك } [البقرة: 35] وكان من الممكن أن يقول اسكن وزوجك لأن الفاعل في فعل الأمر دائما مستتر. ولكنه سبحانه قال: { اسكن أنت وزوجك } [البقرة: 35].. وإياك أن تظن أن " أنت " هو فاعل الفعل " اسكن " ، ولكنه ضمير جاء ليفصل بين " اسكن " وبين " زوجك " حتى لا يعطف الاسم على الفعل. إننا لابد أن نلاحظ أن كلمة زوج تطلق على الفرد ومعه مثله. ولذلك لم يأت بتاء التأنيث.. اسكن أنت وزوجتك. لأن الأمر التكليفي من الله. سواء فيه الذكر والأنثى. واقرأ قوله تعالى:

ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن..

[غافر: 40]. إذن: فهما متساويان في هذه الناحية، هذه الجنة ماذا وفر الله سبحانه وتعالى لآدم وزوجه فيها؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى:

إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى

[طه: 118-119]. هذه عناصر الحياة التي وفرها الله لآدم وزوجه في جنة التجربة الإيمانية العملية على التكليف. وهكذا نرى من الأوصاف التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لنا لهذه الجنة أنها ليست جنة الآخرة لأنها أولا فيها تكليف، في قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] وجنة الآخرة لا تكليف فيها، والحق تبارك وتعالى أباح لآدم وحواء أن يأكلا كما يشاءان من الجنة. والجنة فيها أصناف كثيرة متعددة. ولذلك قال: { حيث شئتما } [البقرة: 35]. وأنت لا تستطيع أن تقدم لإنسان صنفا أو صنفين وتقول له : كل ما شئت لأنه لا يوجد أمامه إلا مجال ضيق للاختيار، كما أن قلة عدد الأصناف تجعل النفس تمل، ولذلك لابد أن يكون هناك أصناف متعددة وكثيرة. ثم جاء النهي في قوله تعالى: { ولا تقربا هذه الشجرة } [البقرة: 35] أي: لا تقتربا من مكانها، ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى: ولا تأكلا من هذه الشجرة؟ لأن الله جل جلاله رحمة بآدم وزوجه كان لا يريدهما أن يقعا في غواية المعصية. فلو أنه قال: ولا تأكلا من هذه الشجرة لكان مباحا لهما أن يقتربا منها، فتجذبهما بجمال منظرها ويقتربان من ثمارها فتفتنهما برائحتها العذبة ولونها الجذاب، حينئذ يحدث الإغواء، وتمتد أيديهما تحت هذا الإغراء إلى الشجرة ليأكلا منها. ولكن الله تعالى يعلم أن النفس البشرية إذا حرم عليها شيء، ولم تحم حوله كان ذلك أدعى ألا تفعله، فالله تعالى حين حرم الخمر لم يقل حرمت عليكم الخمر، وإلا كنا جلسنا في مجالس الخمر ومع الذين يشربونها، أو نتاجر فيها وهذا كله إغراء بشرب الخمر.

. ولكنه قال:

يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون

[المائدة: 90]. هذا النص الكريم قد جعلنا نبتعد عن الأماكن التي فيها الخمور. فلا نجلس مع من يشربونها، ولا نتاجر فيها حتى لا نقع في المعصية، فإذا رأيت مكانا فيه خمر فابتعد عنه في الحال، حتى لا يغريك منظر الخمر وشاربها بأن تفعل مثله. والحق جل جلاله يقول في المحرمات: { ولا تقربا } [البقرة: 35] واجتنبوا.. أي: لا تحوموا حولها. لأنها إذا كانت غائبة عنك فلا تخطر على بالك فلا تقع فيها. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

" إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه "

अज्ञात पृष्ठ