तफ़सीर
تفسير صدر المتألهين
واعلم أن هذا كلام محقق ومعنى مبرهن عليه، إذ قد حقق في مقامه بالبرهان، وذهب إليه جمع من أهل الحكمة والعرفان، أن العقل الواحد بالفعل كل الموجودات التي دونه، وأن الحقيقة النوعية الموجودة في عالم العقل مع وحدتها العقلية، تحيط بجميع الأعداد والجزئيات التي دونها، وأن النفس الناطقة على وحدتها وتجردها، هي عين جميع قواها المدركة والمحركة على كثرتها وتخالفها وتفاوت مراتبها ونشآتها.
فصل
(في الهداية والاضلال)
اعلم إن مسألة الإضلال وما يجري مجراه إلى الله في هذه الآية وفي غيرها، صارت معارك للآراء ومصارع للأهواء، غرقت في بحارها أفهام الأكثرين، ولم ينج من مهاوي أنظارها إلا أقل الأقلين، فلنتكلم ههنا في تحقيق الإضلال كلاما مشبعا يكشف نقاب الارتياب والامتراء، ويتجلى به وجه المطلوب عن مكمن الاحتجاب والاختفاء، ليكون تحقيقه دستورا لغيره من الصفات الجارية مجراه، وأصلا مرجوعا إليه فيما يجيء من معاني الآيات النازلة من هذا الباب.
ولنذكر أولا ما ذكره أرباب الأفكار وأصحاب الأنظار من البحث والإلزام والرد والإبرام، ثم نضيف اليها ما هو طريقة أهل الحكمة والتحقيق، ثم نذيل ذلك بايراد لمعة من بوارق نور التجريد، وقطرة من بحار عالم التأييد.
فنقول: قد ذكر أهل اللغة أن همزة الإفعال، قد تجيء لتعدية غير المتعدي، كما في " خرج " و " أخرج ". وقد تجيء لعكس ذلك فينقل المتعدي إلى غير المتعدي كما في " كببته فأكب " ، وقد يجيء لمجرد الوجدان، تقول: " أتيت أرض فلان فأعمرتها " أي: وجدتها عامرة.
إذا ثبت هذا، فقولنا، " أضله الله " ، لا يمكن حمله إلا على وجهين:
أحدهما: صيره ضالا.
والثاني: أنه وجده ضالا.
فعلى الأول، إما أن يراد به " صيره ضالا عن الدين " ، أو " صيره ضالا عن الجنة ". ثم إن معنى الإضلال عن الدين في عرف اللغة، عبارة عن الدعاء إلى ترك الدين وتقبيحه في عينه، أو ايقاع الوسوسة في قلبه، وهذا هو الإضلال الذي أضافه الله تعالى إلى الشيطان فقال:
अज्ञात पृष्ठ