तफ़सीर
تفسير صدر المتألهين
فأقبل أولا إلى أهل بيته عليهم السلام، فأمطر عليهم من سماء علمه أمطار العلوم، وأضاء قلوبهم بأضواء المعارف، فارتوى بالعلم والهدى ظاهرهم وباطنهم، ثم أقبل على الأمة بقلب كالبحر مواج بمياه العلوم، فاستقبلته أودية العقول وأنهارها، وجداول الفهوم وسواقيها، وجرى من بحره في كل واد وجدول وساقية من قلوب العلماء قسط ونصيب لائق، وذلك القسط الواصل إلى الفهوم، هو الفقه في الدين.
وبالجملة، فليس بناء أمر العالم - من تعظيم العالم، وإهانة الجاهل، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، والهداية والضلالة، وإعلام طريقي الخير والشر، وسبيلي الطاعة والمعصية، وسائر ما ينوط بذلك - على مجرد التخمين والجزاف، والعبث والاتفاق، من غير حق لازم وقضاء ثابت، حتى يمكن انقلاب كل شيء إلى ضده، وترتب كل أثر على نقيض مؤثرة - تعالى الله عن سفه المعطلين وبطالة البطالين علوا كبيرا.
وقوله: " إن كنتم صادقين " قضية شرطية جوابها محذوف، لدلالة ما قبلها عليه أي: " إن كنتم صادقين في أن القرآن كلام البشر، والإتيان بمثله ممكن فأتوا بمثل سورة منه ".
و " الصدق ": هو الإخبار عما يطابق الواقع، والمراد من الواقع ما في نفس الأمر. أي: وجود الشيء في نفسه - لا بتعمل الوهم واختراعه - ف " الأمر " بمعنى الشيء.
واعترض عليه: بأن بعض الأشياء كالقضايا الذهنية مما لا وجود [له] إلا في الذهن، فصدق الحكم فيها على الشيء حكما ايجابيا، يستدعي مطابقا خارجيا، وليس لها مطابق خارجي أصلا - كالحكم بأن التناقض محال. والعدم تفي محض -.
وأجيب: بأن المغايرة بين المطابق والمطابق لا يجب أن تكون حقيقة، بل مطلق المغائرة الشاملة للحقيقية والاعتبارية بينهما كاف في صدق الخبر، فههنا مغائرة اعتبارية، بمعنى أن هذه النسبة الموجودة في الذهن، مطابقة لنفسها من حيث أنها موجودة في نفسها لا بتعمل العقل -، فهي من حيث وجودها في الذهن، مغاير لها من حيث وجودها في نفسها.
وتفصيله - كما ذكره بعض أهل التحقيق - أن النسبة إذا وجدت في الذهن كان لها وجود ذهني - سواء كان باختراع العقل وتعمله، كالحكم بزوجية الثلاثة أو بدون اختراعه كما في الصوادق -.
فالأولى ليست موجودة في حد ذاتها، بل باختراع وتعمل من العقل. والثانية موجودة في نفسها مع قطع النظر عن اختراعه وتعمله، وإن كان وجودها في نفسها لا يكون إلا في الذهن، إلا إنها موجودة فيه بدون تعمله، فهي من حيث إنها موجودة في الذهن، مطابقة لها من حيث أنها موجودة فيه مطلقا بلا تعمل؛ فالوجود بالاعتبار الأول مطابق - بالكسر - وبالاعتبار الثاني مطابق - بالفتح.
فالمنظور إليه في الاعتبار الأول، الوجود الذهني؛ وفي الاعتبار الثاني، مطلق الوجود في حد ذاته - سواء كان في الذهن أو في الخارج - فالنسبة الذهنية للصوادق مطابقة لما في نفس الأمر بالمعنى المذكور، حتى أنها لو فرضت موجودة في الخارج أيضا، كانت المطابقة لها بحالها؛ بخلافها في الكواذب، إذ لا مطابق لها ولا وجود لها في نفسها، أي: بلا تعمل واختراع أصلا، لا في الخارج ولا في الذهن.
وذهبت الحكماء إلى أن نفس الأمر عبارة عن العقل الفعال عندهم، فالمراد ب " الأمر " هو المعنى المقابل ل " لخلق " ، فيكون مرادهم من الموجود في نفس الأمر، الموجود في عالم الأمر.
अज्ञात पृष्ठ