اليوم تجزى كل نفس بما كسبت
[غافر:17] ولهذا قيل: الدنيا دار العمل والآخرة دار الجزاء، كما في قوله
هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت وردوا إلى الله مولاهم الحق
[يونس:30] لأن الأولى عالم الحركات والإنقلاب في الأطوار، والأخرى هي الموطن والمأوى، وهي دار القرار ومنزل الأبرار والأشرار.
ولهذا قال أبو علي الجبائي: أراد بيوم الدين، يوم الجزاء على الدين وقال محمد بن كعب: أراد يوم لا ينفع إلا الدين.
نكتة اخرى
فيها الإشارة الى اختصاص يوم القيامة بذكر الملك فيه
يستدعي بيانه تمهيد مقدمة: هي أن
بعض الموجودات مما لا يتوقف وجوده إلا على فاعله وغايته، لكون امكانه الذاتي كافيا في فيضانه عن الفاعل الأول جل ذكره، ومنها ما هو متوقف الوجود على قابل مستعد واستعداد خاص قريب أو بعيد، مرهون بأوقاته المعينة. وله علل معدة مقربة بالمواد إلى فاعلها الحقيقي المتساوي نسبة جوده إلى الجميع في قبول الوجود منه، وكثير من الناس - حتى طوائف من المترسمين بالعلم والدراية - يزعمون أن الأسباب المعدة للأفاعيل المباشرة للتحريكات والتسكينات، إياها هي الفاعلة الموجدة لها، ويظنون لقصور النظر وكثرة الحجب وأغلاط الحواس، ان القدرة ثابتة لغير الله، لما يترائى لهم من جريان الأفاعيل على أيدي الأسباب، وظهور الأمور من الضرب والإحسان والجود والإمتنان والايلام والإنعام والقتل والتجاوز والرق والعتق وغيرها على أيدي ذوي الشوكة من الملوك والسلاطين والظلمة. ولم يعلم أحدهم - إلا العرفاء بالله خاصة - أن هذه الأسباب بمنزلة أعيان منصوبة مقرونة بما يجري عليها من صدور هذه الآثار بلا تأثير من قبلها، وأن زمام هذه الأمور كلها بيد مالك الملوك.
وإذا تقررت هذه المقدمة فنقول: لما كان هذا الاشتباه والاغترار بظواهر الآثار إنما اختص بدار الدنيا، ونشأ للناس من جهة غشاوة هذا الأدنى، وفي الآخرة يكشف الغطاء وترتفع الغشاوة عن وجوه البصائر والامتراء، ويظهر أن الكل لله ومن الله وإلى الله، قال: { مالك يوم الدين } وعلى طبق قوله:
अज्ञात पृष्ठ